א 19 אפר 2026 7:59 am - שעון ירושלים

حرب المُسيّرات تكشف ثغرات القوة الأميركية أمام إيران


واشنطن – سعيد عريقات – 19/4/2026

في تقرير نشرته الأحد، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن واحدة من أبرز الخلاصات التي أفرزتها الحرب مع إيران تتمثل في أن طهران أثبتت نفسها خصماً أكثر قدرة مما كان يُعتقد في مواجهة الولايات المتحدة. فإلى جانب استعدادها للانتقال إلى الهجوم، نجحت إيران في فرض واقع عسكري جديد، عنوانه الطائرات المسيّرة الرخيصة، التي أربكت حسابات واشنطن وحلفائها في المنطقة.

ويشير التقرير إلى أن المسيّرات الإيرانية، المصنّعة بتقنيات تجارية متاحة نسبياً، لا تتجاوز كلفة الواحدة منها نحو 35 ألف دولار، وهو مبلغ ضئيل إذا ما قورن بكلفة الصواريخ الاعتراضية المتطورة التي تُستخدم لإسقاطها، والتي قد تصل إلى ملايين الدولارات. وهكذا باتت المعادلة مقلوبة: سلاح زهيد الثمن يستنزف منظومات دفاعية باهظة.

هذا التحول ليس جديداً تماماً، إذ سبق أن أظهرت الحرب في أوكرانيا فعالية المسيّرات الرخيصة في تغيير طبيعة المعارك. غير أن المواجهة مع إيران كشفت بصورة أوضح أن الاستثمارات الدفاعية الأميركية ظلت لعقود تركّز على التهديدات التقليدية: صواريخ باليستية، مقاتلات متقدمة، وأهداف عالية السرعة. أما أسراب المسيّرات الصغيرة والبطيئة نسبياً، فلم تحظ بالاهتمام ذاته.

وبحسب مسؤولين وخبراء سابقين في البنتاغون، فإن مواجهة خطر المسيّرات كانت أولوية معلنة منذ سنوات، لكن من دون تسريع إنتاج حلول واسعة النطاق. وخلال الأيام الستة الأولى من الحرب فقط، أنفقت الولايات المتحدة 11.3 مليار دولار، فيما قدرت مراكز أبحاث لاحقاً أن إجمالي الإنفاق تراوح بين 25 و35 مليار دولار، ذهب جزء كبير منه إلى الذخائر الاعتراضية. كما تصاعدت المخاوف من تراجع المخزونات إلى مستويات خطرة.

في السيناريو الدفاعي المثالي، ترصد طائرة إنذار مبكر (إيواكس) المسيّرة على بعد مئات الأميال، ثم تُرسل مقاتلة مثل الصقر المحارب F-16 Fighting Falcon لاعتراضها باستخدام صواريخ قصيرة المدى. وتُعد هذه الطريقة أكثر كفاءة من حيث الكلفة، لكنها ليست متاحة دائماً بسبب اتساع رقعة المواجهة، فضلاً عن استهداف إيران لبعض منصات الإنذار المبكر التي تعتمد عليها واشنطن.

أما الخيار الآخر، فهو أنظمة الرصد الأرضية، غير أنها تعاني من محدودية كشف الأهداف المنخفضة بسبب انحناء سطح الأرض. ومن بين الأنظمة التي طُورت خصيصاً لهذا الغرض منظومة "الواوي Coyote " القادرة على اعتراض المسيّرات ضمن مدى متوسط، وهي أقل كلفة وأكثر ملاءمة من أنظمة ثقيلة صُممت أصلاً لإسقاط طائرات أو صواريخ باليستية.

لكن المفارقة أن الجيش الأميركي لم يشتر أعداداً كافية من هذه المنظومات خلال السنوات الماضية. وتشير تقارير بحثية إلى أن القوات الأميركية في المنطقة اضطرت خلال هجمات سابقة إلى نقل هذه الأنظمة بين قواعد متعددة بشكل شبه يومي بسبب نقصها.

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة أيضاً على أنظمة أكبر وأكثر كلفة، مثل المدمرات البحرية المزودة بصواريخ  SM-2، أو بطاريات باتريوت Patriot missile system  التي تستخدم صواريخ اعتراضية متقدمة. وغالباً ما تفرض العقيدة العسكرية إطلاق صاروخين على الأقل ضد هدف واحد، ما يعني أن مسيّرة رخيصة قد تستنزف ملايين الدولارات خلال دقائق.

وترى أوساط عسكرية بحسب التقرير أن هذا الخلل يعود إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين انصب التفكير الاستراتيجي الأميركي على تهديدات أقل عدداً وأكثر تطوراً، لا على هجمات جماعية تنفذها أسراب مسيّرات زهيدة الثمن. وتستفيد إيران من هذا الفراغ عبر إطلاق عدة طائرات من طراز شاهد-136 دفعة واحدة، وهي مسيّرات قادرة على قطع نحو 1500 ميل، ما يجعل أهدافاً كثيرة في الشرق الأوسط ضمن مداها.

ورغم الكلفة العالية، تدافع واشنطن عن هذا النهج بالقول إن حماية الأصول الاستراتيجية تبرر الإنفاق، ولا سيما حين يتعلق الأمر برادارات ومنشآت عسكرية بمئات الملايين من الدولارات. إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الحرب كشفت هشاشة ميزان الكلفة والفعالية في العقيدة الدفاعية الأميركية.

وفي المدى الأبعد، يتحدث الخبراء عن مستقبل جديد لمواجهة المسيّرات يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وأسلحة الليزر، وأنظمة التشويش الإلكتروني، وهي أدوات قد تقلل كلفة الاعتراض وتعيد التوازن إلى ساحة المعركة.

وتكشف هذه الحرب أن التفوق العسكري لا يُقاس فقط بحجم الموازنات أو نوعية الأسلحة، بل بقدرة الدولة على فرض معادلة استنزاف ناجحة. إيران لم تنتصر تقنياً على الولايات المتحدة، لكنها دفعتها إلى استخدام أدوات باهظة لمواجهة تهديدات زهيدة، وهو شكل حديث من أشكال الردع غير المتكافئ. حين يصبح اعتراض الهدف أغلى عشرات المرات من إنتاجه، فإن الطرف الأقوى يبدأ بخسارة جزء من ميزته الاستراتيجية، حتى لو بقي متفوقاً نارياً وميدانياً.

كما تكمن المشكلة الأعمق في البيروقراطية العسكرية الأميركية، حيث تُرصد مليارات لتطوير أنظمة معقدة، بينما تُهمل حلول أبسط وأسرع إنتاجاً. هذا النمط يعكس نفوذ الصناعات الدفاعية الكبرى أكثر مما يعكس احتياجات الميدان الفعلية. فلو جرى الاستثمار مبكراً في منظومات مضادة للمسيّرات منخفضة الكلفة، لما وجدت واشنطن نفسها اليوم في موقع من يطارد طائرات رخيصة بصواريخ باهظة. إنها أزمة تخطيط بقدر ما هي أزمة تسليح، وربما أزمة عقيدة كاملة.

سياسياً، تضع هذه النتائج إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام معضلة مزدوجة: كيف تبرر حرباً مكلفة للرأي العام، وكيف تقنع الحلفاء بصلابة المظلة الأمنية الأميركية؟ فكل صاروخ اعتراضي يُطلق بكلفة هائلة يرسل أيضاً رسالة ضعف اقتصادي واستراتيجي. وإذا استمرت الخصوم في تطوير أدوات رخيصة وفعالة، فإن صورة الردع الأميركي ستتعرض لتآكل تدريجي، لا بفعل هزيمة مباشرة، بل بفعل الاستنزاف الطويل والمكلف.

תגים

שתף את דעתך

حرب المُسيّرات تكشف ثغرات القوة الأميركية أمام إيران

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.