تتسم المقاربة الأمريكية الحالية للنزاع الليبي بالانسجام مع توجهات الإدارة الجمهورية في واشنطن، حيث يبرز أسلوب الرئيس دونالد ترامب في تغليب لغة الصفقات على المسارات الديمقراطية التقليدية. تهدف هذه السياسة إلى البحث عن أقصر الطرق للتعامل مع القوى المسيطرة على الأرض، طالما أنها لا تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة.
يقود هذه التحركات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، الذي كثف من لقاءاته مع نقاط الثقل السياسي في ليبيا، متمثلة في حكومة الوحدة الوطنية بالغرب والقيادة العامة في الشرق. وقد شملت هذه التحركات جولات دبلوماسية في عواصم كبرى مثل روما وباريس وواشنطن، بهدف صياغة مخرج للأزمة الليبية يتجاوز الجمود الراهن.
تشير المعلومات المسربة حول هذه الخطة إلى مقترح يقضي بتقاسم السلطة وفق الهيكل التنفيذي الحالي، بحيث يتولى صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، بينما يستمر عبد الحميد الدبيبة في منصبه رئيساً للحكومة. ورغم عدم صدور تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية، إلا أن ردود الفعل السياسية تعزز فرضية وجود هذا المقترح قيد التداول الجدي.
أحد المؤشرات القوية التي تدعم فرضية الاتفاق هو التوافق الأخير على توحيد الإنفاق التنموي بين حكومتي الشرق والغرب، وهو ما يراه مراقبون خطوة تمهيدية لخطة بولس. ويبدو أن الطرفين المعنيين مباشرة بالخطة يدعمان هذا التوجه الاقتصادي كمدخل لتثبيت التفاهمات السياسية الأوسع التي يتم التحضير لها خلف الكواليس.
في المقابل، برزت أصوات معارضة لهذه التفاهمات، حيث عبر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عن تحفظه الواضح على ما وصفها بـ 'الصفقات' التي تغلب المصالح الضيقة. ويرى المنفي أن أي تسوية يجب أن تخدم المسار الانتخابي الشامل بدلاً من تكريس سلطة الأمر الواقع عبر محاصصات سياسية جديدة.
من جانبه، أعلن المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة رفضه لأي تسوية سياسية تخرج عن الإطار الدستوري الحاكم والاتفاق السياسي الليبي. ويُفسر موقف المجلس المتماهي مع حكومة الوحدة في طرابلس على أنه محاولة لرفض 'الصفقة' دون الدخول في صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي.
يعتقد بعض المحللين أن التباين في المواقف داخل معسكر الغرب الليبي قد يكون مجرد 'بالون اختبار' لقياس مدى قبول الشارع والقوى السياسية لهذه الخطة. فبينما يلتزم الدبيبة الصمت، تخرج المكونات الرديفة للتعبير عن الرفض، مما يمنح الحكومة هامشاً للمناورة السياسية أمام الضغوط الدولية المتزايدة.
المقاربة الأمريكية تبحث عن الطريق الأقصر الذي يتعاطى مع قوى الأمر الواقع لإتمام المهمة على شكل صفقة ناجزة.
تعتمد جدية خطة بولس على مدى الدعم الذي ستحظى به من البيت الأبيض بصفة رسمية، حيث لا تزال المقاربة توصف بأنها اجتهاد ضمن محددات عامة. ولن يصبح هذا المسار واقعاً مفروضاً إلا في حال مصادقة الرئيس ترامب عليه بشكل نهائي، مما سيحولها من مقترح دبلوماسي إلى سياسة أمريكية ملزمة.
على الصعيد العسكري، يظهر المشهد تعقيداً إضافياً، إذ إن أغلب القوى الأمنية في الغرب الليبي لا تتبنى موقفاً عدائياً جذرياً تجاه القيادة العامة في الشرق. هذا التداخل قد يسهل تمرير الخطة إذا ما تحولت إلى خيار دولي مدعوم، رغم المعارضة السياسية المعلنة من بعض الأطراف في طرابلس.
في الشرق الليبي، لا يبدو الموقف موحداً بالكامل تجاه مقترحات بولس، حيث ظهرت تحفظات من قبل خالد وبلقاسم حفتر على بعض جوانب الاتفاق. فقد أبدى خالد حفتر موقفاً غير موارب في تقييم الخطة، بينما ركز بلقاسم تحفظاته على الشق الاقتصادي المتعلق بتوزيع الموارد والإنفاق التنموي.
إن تمرير مثل هذا الاتفاق يعني بالضرورة تمديداً غير محدد للمسار الديمقراطي وتأجيلاً طويلاً للانتخابات الوطنية التي ينتظرها الليبيون. ويخشى مراقبون أن يؤدي ذلك إلى تكريس احتكار السلطة من قبل القوى الفاعلة حالياً، مما يغلق الباب أمام أي تغيير سلمي وتداولي للسلطة في المستقبل القريب.
تثار تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه المقاربة ستنهي معاناة الشعب الليبي أم أنها مجرد ترحيل للأزمات وتسكين للنزاع المسلح. فالمحرك الأساسي لهذه الصفقات، بحسب تقارير دولية، غالباً ما يكون تحقيق مصالح خاصة وضمان استقرار هش يخدم القوى الإقليمية والدولية أكثر من المواطن الليبي.
يرى خبراء أن خطة بولس تنسجم مع الخط العام الأمريكي الهادف لتفكيك النزاع عبر مسارات أمنية واقتصادية متوازية سبقت الطرح السياسي الحالي. ومع ذلك، فإن غياب الرؤية الشاملة للحل الجذري قد يجعل من هذا الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع على النفوذ والموارد.
يبقى المشهد الليبي معلقاً بين طموحات الفاعلين المحليين في البقاء بالسلطة وبين الرغبة الأمريكية في إغلاق الملف بأي ثمن سياسي. وفي حال تحولت خطة بولس إلى قرار رسمي من البيت الأبيض، فإن الخارطة السياسية الليبية ستشهد مخاضاً عسيراً قد يعيد تشكيل التحالفات في الشرق والغرب على حد سواء.





שתף את דעתך
خطة 'بولس' لتقاسم السلطة في ليبيا: مقاربة الصفقات وتحديات الواقع