ש 18 אפר 2026 11:55 am - שעון ירושלים

سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (4): بشار، حين يهزم الحاجز بنغمة

قبسات

في محاضر الجنود، لا مكان للصوت. كلُّ شيءٍ هناك يُقاس: الزمنُ بوحداته، الأجسادُ بمرورها، المكانُ بإحداثياته، وعددُ العابرين الذين نجحوا أو أُعيدوا.

يُكتب: "تمّ ضبط الحركة"، ولا يُكتب: كان ثمّة طفلٌ يعزف… فيرتبك الليل. الحقيقة، في هذا الفضاء تحديدًا، لا تقيم فيما يُدوَّن، بل فيما يتسرّب منه.

كلُّ ما لا يمكن ضبطه -النغمة، الارتجاف، المعنى- يُترك خارج النص، كأنّه لم يحدث. لكن ما يُستبعد من اللغة الرسمية، هو بالضبط ما يعيد تعريف الواقع.

على طرف الحاجز العسكري عند مدخل قرية المغير، شمال شرق رام الله، حيث تُختصر الجغرافيا في نقطة تفتيش، ويُعاد تعريف الإنسان بوصفه "مرورًا محتملًا" أو "خطرًا محتملًا"، جلس بشّار صالح أبو عليا، ابن الثامنة.

لم يكن عابرًا، ولم يكن ينتظر عبورًا. كان يفعل شيئًا أكثر إرباكًا من العبور نفسه: كان يُنتج معنى. المشهد، كما لا تحبّه التقارير، بسيطٌ حدَّ القسوة: نارٌ صغيرة تُقاوم البرد، ترابٌ مُنهك، أقدامٌ واقفة، وطفلٌ يحتضن عوده كأنّه يحتضن خلاصًا شخصيًا.

وخلف هذا كله، واقعٌ ثقيل: تنكيلٌ بالعابرين، اعتداءات، اعتقالات، ومركباتٌ تُكسَّر… كأنّ النجاة من يدٍ لا تعني النجاة من أخرى- جيش الاحتلال ومستوطنوه.

في تلك اللحظة، لم يكن المكان مجرد حاجزٍ عسكري، بل كان صدراً ضيقاً يحاول أن يبتلع طفولته دون أن ينجح. كان البرد أقسى من وصفه، والقلوب حوله متعبة كأنها تمشي فوق زجاجٍ غير مرئي، ومع ذلك، وسط هذا الثقل كله، خرج اللحن كأنّه يرفض الانكسار، كأنّه يقول للعالم بصوتٍ خافت لكنّه ثابت: أنا لستُ وحدي… ولن أكون مجرد صمت.

في الصورة التي لا تُرفق بمحاضر الجنود، يبتسم بشّار. ابتسامة لا تنتمي إلى جهلٍ بما يحدث، بل إلى معرفةٍ أعمق: أنّ الإنسان، حتى في أقسى اللحظات، يستطيع أن يختار موقعه من العالم. ليس كضحيةٍ صامتة، بل كصوت.

بشّار، الطالب في مدرسة أصدقاء الكفيل في البيرة، ليس مجرد طفلٍ يتعلّم العود.

إنه طفلٌ يعيد تعريف الحواس. ففي عالمٍ أخذت فيه الشبكيّة من عينيه بعض الضوء، لم ينطفئ الإدراك؛ بل أعاد تشكيل نفسه. نتعلّم بريل، لا بوصفه تقنية بديلة، بل بوصفه فلسفةً أخرى للرؤية: أن تُصغي بأصابعك، أن تتحسّس المعنى، أن ترى ما لا يُرى.

ولذلك، حين يعزف، لا تبدو أصابعه وكأنها تُنتج صوتًا فقط، بل كأنها تقرأ العالم… ثم تعيد كتابته نغمة.

في محاضرهم، المرضُ حالة. وفي حكايته، هو تمرينٌ على البصيرة. رحلته العلاجية بين الضفة والأردن ومستشفيات الداخل لا تُختصر في ملفاتٍ طبية، بل في مقدار ما تعلّمه طفلٌ صغير عن الصبر. لكن الصبر هنا ليس تحمّلًا فقط، بل إعادة تشكيل للعالم: أن تعيش رغم القلق، أن تتعلّم رغم الألم، أن تحلم رغم هشاشة الجسد. اهتمامه بالتاريخ، بالقضايا، بما يحدث حوله، ليس ترفًا معرفيًا، بل محاولة مبكرة لفهم العالم الذي وُضع فيه.

وكأنّه يدرك، بحدسه، أن المعرفة ليست هروبًا من الواقع، بل طريقة لمواجهته. يحلم أن يصنع محتوى هادفًا على يوتيوب. وفي مكانٍ كهذا، لا يكون الحلم تفصيلًا، بل فعلًا مقاومًا: أن يكون لك صوت، في عالمٍ يُراد لك فيه أن تكون صامتًا.

في الفلسفة، تحاول السلطة دائمًا تحويل الإنسان إلى ما يمكن قياسه: رقم، ملف، حالة.

وهذا ما يفعله الحاجز: يعيد تعريف الكائن بوصفه "إجراءً". لكن ما لا يستطيع احتواءه، هو ما لا يُقاس. أن يجلس طفلٌ في هذا الموضع بالذات، ويقرّر ألا يكون موضوعًا للإجراء، بل ذاتًا للفعل.

بشّار لم يُلغِ الحاجز. لكنه، بطريقةٍ أدق، ألغى معناه الأحادي.  فالحاجز، في تعريفه الرسمي، أداة فصل. أما في حضوره، فقد صار فضاءً لاحتمالٍ آخر: مكانًا يمكن أن يحدث فيه عزف.

وهذا التحوّل، وإن بدا طفيفًا، هو في جوهره إعادة تعريف لماهية المكان نفسه. النار الصغيرة بجانبه كانت تُبقي الجسد دافئًا، أما هو، فكان يُبقي المعنى حيًا. ثمّة فرقٌ عميق بين أن تبقى حيًا، وأن تُبقي للحياة معناها.

الأول غريزة، والثاني موقف. ولذلك، لم يكن يعزف ليملأ الوقت، بل ليعيد تعريفه. فالانتظار، حين يُلامسه اللحن، لا يعود فراغًا بل احتمالًا. والبرد، حين تخترقه نغمة، لا يعود قسوةً خالصة بل تجربة قابلة للتحمّل. حتى الخوف… كان يتباطأ قليلًا، كأنّه يصغي.

ما لا يُكتب في محاضر الجنود، أن طفلًا بعوده الصغير استطاع أن يخلق دائرةً غير مرئية من الدفء، دفءٌ لا تصنعه النار وحدها، بل الإحساس بأن هناك من يقول: "نحن هنا… ولسنا مجرد أرقام".  في تلك اللحظة، لم يكن بشّار مجرد طفل. كان اقتراحًا فلسفيًا. أنّ الإنسان، حتى وهو محاصر، قادرٌ على إنتاج معنى يتجاوز محاصرته.

وليس في العزف ذاته ما يُربك، بل فيما يفترضه: أن الحرية، وإن ضاقت، لا تنعدم.

وأنّ المعنى، وإن حوصِر، لا يُلغى.

في المحاضر، لا تُكتب الأحلام. لكنّها، على نحو آخر، أكثر ما يُهدد منطق الحواجز. لأنّ الحاجز فكرة: فصل، منع، سيطرة.

أما الحلم… فهو تجاوز. وبين الفكرة والحلم، جلس بشّار… وعزف. ليس لأنّه لا يرى القيد، بل لأنه يرى ما بعده. ليس لأنّه لا يشعر بالخوف، بل لأنّه قرر ألا يمنحه السيادة.

في النهاية، لا يبقى من المشهد إلا أثره: طفلٌ يضحك، يحتضن عوده، نارٌ صغيرة، ليلٌ كثيف، وعالمٌ كامل يحاول أن يُثقله… فلا ينجح. ذلك هو ما لا يُكتب. أنّ الحواجز لا تفشل فقط حين تُزال، بل حين تعجز عن احتكار تعريف الواقع. وأنّ طفلًا، يتعلّم أن يرى بأطراف أصابعه، يمكنه—بهدوءٍ عميق— أن يُعلّم العالم… كيف يرى.

ذلك هو بشّار. ليس استثناءً، بل دليلًا: أنّ في هذه الأرض، دائمًا، ما لا يمكن تقييده، ولا تدوينه، ولا حتى فهمه بالكامل… إلا إذا أُصغي إليه…كأغنية.

תגים

שתף את דעתך

سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (4): بشار، حين يهزم الحاجز بنغمة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.