كيف يمكن تعريف فتح؟ هل هي حركة تحرر وطني، أم تنظيم سياسي، أم حزب، لعلّ الإجابة الأقرب أن فتح هي انعكاس للمجتمع الفلسطيني، فما ميز فتح منذ انطلاقها قبل 61 عاما، كونها إطارًا وطنيًا عريضًا، لا يضيق بتنوع المشارب الفكرية والسياسية والاجتهادات، بل يستوعبها تحت سقف القضية المركزية: تحرير فلسطين، فكرة عبقرية نجحت بجمع الوطنيين، والقوميين، واليساريين، وكل المؤمنين بالفعل الوطني، بمن فيهم أولئك الذين رفضوا سلبية جماعة الإخوان المسلمين، أو محدودية مقاربتهم تجاه القضية الفلسطينية في مراحل تاريخية معينة تحت ظلالها، فقد كان الرئيس المؤسس ياسر عرفات يختصر تعريفها بعبارته الشهيرة: “إحنا فتح”؛ وهي عبارة تختزن هويةً وطنية جامعة، وتؤكد خصوصية الحركة في فضائها الفلسطيني والقومي والعالمي، تمامًا كما تصف روسيا الاتحادية نفسها بقولها: “نحن روسيا”، في إشارة إلى كيان لا يُختزل في انتماء جغرافي جامد، فلا هو أوروبي خالص، ولا آسيوي خالص، بل مزيج من التاريخ الإمبراطوري، والجغرافيا المركبة، والمصالح القومية المتشابكة مع الأيديولوجيا، وكذلك هي فتح، فلسطينية الهوية دون انفكاك عن امتدادها القومي،والعالمي الواسع. أو تقييدات الجدل الأيدلوجي الذي غرقت به عدد من الفصائل على الساحة الفلسطينية، وفي هذا الفضاء الكفاحي الواسع، نجحت فتح في استيعاب التناقضات، واحتواء الاجتهادات، وإدارة الاختلافات، لأنها التقت جميعًا عند الفكرة الكبرى: فلسطين أولًا، والتحرير هدفًا جامعًا. ومن هنا اتسعت فتح، في ذروة حضورها، إلى درجة التماهي الكامل مع الخريطة الجينية لشعبنا الفلسطيني؛ فهي حاضرة في المخيمات، بين الفقراء والعمال وأحلامهم، ومنها، ومن بين أزقتها، خرج عدد من القادة المؤسسين للحركة. وهي حاضرة كذلك بين أبناء الطبقة الوسطى، من مثقفين وفلاحين وأكاديميين وبرجوازيين، كما أنها لم تكن يومًا منفصلة عن طبقة رأس المال الوطني الملتزم، التي نجحت في استقطابها وتوجيه جزء من طاقتها وإمكاناتها لخدمة القضية الفلسطينية لتكون الإطار الأوسع الذي احتمل الكل الفلسطيني، وعبّر عن طموحه الوطني في لحظة الصعود التاريخي.
تقف حركة فتح على أعتاب مؤتمرها الثامن، وهنا لا تسقط عبارة “استحقاق عقد المؤتمر” سهوًا، بل بكامل القصد والدلالة. ففتح، التي قادت منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1969، وعقدت في ظل قيادتها ثماني عشرة دورة للمجلس الوطني من أصل إحدى وعشرين جلسة، تدرك تمامًا أن معادلة مؤتمرها الداخلي أكثر تعقيدًا من دورات المجلس الوطني التي تضم مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني. ولذلك، لم يتجاوز عدد مؤتمراتها سبعة مؤتمرات فقط منذ انطلاقتها عام 1965 وحتى الربع الأول من عام 2026، فمؤتمر فتح هو المحطة التي ترتسم فيها معالم النظام السياسي القادم، ومسار الحركة الوطنية الفلسطينية عموما، لا سيما بعد مآلات السابع من اكتوبر، وارتداداتها على حركات الإسلام السياسي بفلسطين والمنطقة، وبالتالي فمؤتمر فتح يتجاوز رفاهية الاستحقاق الديمقراطي التي تحظى به غيرها من الحركات والأحزاب بالدول المستقلة، نحو دلالات وارتدادات اكثر عمقا وتاثيرا على حياة الناس ومستقبل القضية، ففتح هي العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فإن مؤتمرها حاضر في خبز الناس، ودوائهم، ومناهج التدريس، وحرية التعبير، وفضاء الحريات.
شكّلت مؤتمرات حركة فتح، على امتداد تاريخها، محطّ اهتمام لافت لدى الأصدقاء والخصوم والأعداء على حدّ سواء. فقد كان العالم يترقّب أي تصريح يصدر عن ياسر عرفات أو رفاق دربه من القادة المؤسسين، استشرافًا لما قد تتمخض عنه مؤتمرات الحركة من برامج ومواقف وسياسات، بوصفها تجسيدًا حيًّا للحركة الوطنية الفلسطينية، وموجّهًا للخط السياسي العام.
أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفا، إذ يبذل عدد من مديري الدوائر السياسية بالسفارات جهدًا لوضع ملف مؤتمر فتح أمام سفرائهم، ثم يحتاجون إلى جهد مضاعف لإقناعهم بضرورة رفعه إلى عواصمهم. ويعود ذلك، وفقًا لعدد من المحللين والخبراء والمختصين في الشأن الفلسطيني ممن نلتقي بهم، إلى أنكم “قابلون للتوقع " وأن لا مؤشرات عن خروج المؤتمر عما هو متوقع من المجتمع الدولي، سواء على المستوى البرامجي أو الانتخابي.
ومن هنا، تطغى قضايا أخرى على مستوى الاهتمام الدولي بمؤتمر فتح، مثل مسودة الدستور المؤقت، أو توجهات الجيل الفلسطيني الجديد، أو التحولات التي تعتمل في البنية السياسية الفلسطينية. كما يبدو اهتمام الحركات والأحزاب والمنظمات الدولية بمؤتمر فتح اليوم أكثر تواضعًا قياسًا بالمؤتمرات السابقة، ففي الوقت الذي كان فيه قادة العالم المنتمون إلى الأسرة الاشتراكية الديمقراطية والقوى التقدمية والثورية يقطعون التزاماتهم للمشاركة في مؤتمر فتح، يكتفي مساعدوهم اليوم بالقول: “دعونا نرى موعد المؤتمر أولًا، ثم ننظر في جدول مواعيدنا”. وبين المشهدين تتبدى المسافة بوضوح: من مؤتمر كان يُنظر إليه بوصفه حدثًا سياسيًا وطنيًا عابرًا للحدود، إلى مؤتمر يتراجع حضوره في سلم الأولويات الإقليمية والدولية، فتحول حركات التحرر الوطني إلى صفحة مقروءة هو أحد أسباب مقتلها، وأتذكر حينما كنا في شبيبة فتح، نفتتح قرية نضالية، أو نعلن منع القنصلية الامريكية من تنفيذ لقاء لها في رام الله خلال فترة ترامب الأولى، أو حينما أعلنا أن مبعوث الرباعية " توني بلير" شخصية غير مرحب بها بفلسطين، أو حينما أعلنا حملة وطنية رمزية لفرض السيادة الوطنية في جميع الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، حتى وان كانت بخطوة رمزية تمثلت بتأسيس قرى نضالية او بتعليق يافطات على طول الشوارع تطالب المستوطنين بالانسحاب من أراضينا، كيف كان العالم بأسره، بما في ذلك الدبلوماسيين والإعلاميين وحركات التحرر العالمي، تتسابق للالتقاء بشبيبة فتح، والاستماع إلى رؤاها، وتوجهاتها، ليس لأنها صنعت المستحيل، إنما لأنها " غادرت مساحة المتوقع".
مياه كثيرة جرت في نهر فتح، وتغيرات واسعة اعترت مسيرة الحركة منذ اطلاقها للكفاح المسلح، إلى مسيرة التسوية السياسية التي أجهضها الاحتلال، قاضيا على حلم الدولة ومشروع فتح، وصولا للمؤتمر الثامن للحركة، الذي سيشكل في حال توافرت الظروف لعقده بموعده المحدد، وأُحسن استثماره، فرصة استثنائية لتوجيه مجموعة من الرسائل إلى الداخل والخارج؛ إلى أبناء الحركة، والشعب الفلسطيني، والشركاء، والأصدقاء، والخصوم، والحلفاء، والأعداء، والمتابعين، وكذلك إلى الأمة العربية والإسلامية، وإلى المجتمع الدولي. بأن الحركة ما تزال حيّة، وقادرة على الفعل، وتمتلك قيادةً وبرنامجًا ورؤيةً للمرحلة، كما يشكّل المؤتمر فرصة لإعادة بناء جسور الثقة بين الحركة وقاعدتها الاجتماعية، عبر التعبير البرامجي والعملي عن صوت الناس وآمالهم، واستعادة ثقة الجمهور بحركة نشأ في أكنافها، وأودع لديها أحلامه وتطلعاته، إلا أن ما يجري للأسف، يخالف ذلك تماما، أذ يبدو أن المؤتمر الثامن لحركة فتح يضج بالمرشحين أكثر مما يضج بالأفكار، وتعلو فيه ضوضاء السباق إلى المجلس الثوري واللجنة المركزية على أي نقاش جدي يطال المرحلة السياسية والنضالية، أو يراجع الأولويات، أو يزن الإنجازات والإخفاقات، ويقيّم الوضع الداخلي للحركة أو يعيد قراءة ميزان القوى بما يليق بحركة تحرر وطني، لا بالشعبوية والتطرف، ولا بالاستسلام والمراوحة في المكان، ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تنشغل حوارات ما قبل المؤتمر بالأسئلة المؤسسة: ما هو المشروع الوطني، وما هي الاستراتيجية، وما شكل المقاومة أو العمل السياسي، وما طبيعة العلاقة مع الجماهير والسلطة والخصوم والأعداء، والإقليم والعالم، نرى هذه الأسئلة تتراجع لصالح أسئلة أخرى لا تخلو من الأهمية، لكنها تفقد قدرتها على صناعة الفارق، حين تُفصل عن البرامج والرؤى، مثل: من سيترشح، وكيف ستتشكل التحالفات، وما خريطة التنافس، وكيف ستُفرز موازين القوى داخل الحركة، فحتى كتابة هذه السطور، لم أسمع عن ورشة واحدة، نظمتها مفوضية، أو أقليم، أو مكتب حركي، بالوطن، أو بالشتات، حول أدبيات المؤتمر، كما أن المئات من مجموعات " الواتس آب" التي أنشئت مع اقتراب المؤتمرات، تنحصر عضويتها بأعضاء المؤتمر المضمون عضويتهم، ويضاف لها من تتاكد عضويته بالمؤتمر، في مشهد حزين، يسيء للحركة، ويقزّم حضورها وقيمتها، ويحول النظرة إلى اعضاء المؤتمر، من فاعلين إلى مجرد أصوات انتخابية، ويحول البرامج والرؤى داخل المؤتمر إلى فضاء حركي عام، يشارك في صياغته كل أبناء الحركة، إلى أقراص جاهزة للبلع، أو إبر وريدية لحقن المؤتمرين، نظرا لضيق وقت المؤتمر وطبيعته الانتخابية التي ستجعل من نقاش واسع وعميق ومستفيض حول ادبيات المؤتمر مهمة مستحيلة، مما يفقد فتح روحها وجوهرها المذكورين في افتتاحية المقال، فحينما يتقدم سؤال الموقع على سؤال المشروع، ويطغى التنافس على المقاعد على الحاجة إلى إعادة بناء البنية التنظيمية، وتعديل اللوائح، وتوزيع الصلاحيات، ومعالجة الترهل والانقسام، وتجديد الأطر القيادية بما يبقي الحركة قادرة على الفعل، ينتهي المؤتمر إلى مجرد تبديل جزئي في الوجوه، من دون أن يلامس جوهر الأزمة أو يفتح أفقًا حقيقيًا لإصلاح الحركة واستعادة دورها، فالساحة الوحيدة التي قامت بمهمة التقييم والاجتهاد والمبادرة ما قبل المؤتمر السابع كانت ساحة السجون، التي تغيب في هذا المؤتمر نظرا لاجراءات الاحتلال التي تجعل من أي تواصل بينها وبين الخارج مهمةِ شبه مستحيلة.
ختاما، ان الاهتمام بالبرامج لا يعني الانتقاص من أهمية القيادة، ولا من الدور الذي ينبغي أن يؤديه المؤتمر في إدارة التنافس الداخلي بصورة مؤسسية وشفافة، تقوم على معايير واضحة وعادلة للعضوية، وآليات انتخاب وفرز موثوقة، تستند إلى سرية الاقتراع وعلنية الفرز. بل إن من الممكن اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، ربط مواقع انعقاد المؤتمر الأربعة في رام الله وغزة ومصر ولبنان بآليات تصويت إلكترونية ضمن معايير واضحة تضمن الحياد والمهنية، بما يعزز ثقة أبناء الحركة بنتائج المؤتمر الانتخابية، ويوفر الوقت، ويضمن سلامة عمليات الفرز، ويخفف من كلفها البشرية واللوجستية، كما أنه من الأهمية بمكان، أن تتحول الأقاليم والمكاتب الحركية والنقابات ومفوضيات الحركة وكادرها إلى خلية عمل، لمناقشة مقترحات القرارات والرؤى والبرامج، تماما كما فعلت شبيبة فتح قبل انعقاد مؤتمرها العام في نهاية العام الماضي، حينما حولت الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل إلى ساحة للنقاش والحوار شارك به أبناء الشبيبة من الوطن والشتات، وخرجت بما يزيد عن احدى عشر ورقة عبرت عن توجهات الشباب وصوتهم. لا زال هناك هامش من الوقت، إن جرى استثماره بالطريقة المثلى، فربما ننجح في تغيير المسار، والانتصار لفتح الفكرة لا الأشخاص.





שתף את דעתך
مؤتمر فتح بين ضجيج الترشيحات وغياب النقاش بالبرامج