أعلنت الصناعات العسكرية الإسرائيلية مؤخراً عن إلغاء كافة مشترياتها وشراكاتها وصفقاتها مع الجانب الفرنسي، في خطوة وصفت بأنها قرار استراتيجي يهدف لوقف استثمار الأموال في القطاع العسكري الفرنسي. ويأتي هذا التوجه لإعادة توجيه الموارد المالية نحو تعزيز الإنتاج المحلي والشراء من دول حليفة، في ضربة اقتصادية وعسكرية لم يتوقعها قصر الإليزيه.
أكدت مصادر مطلعة أن قرار تل أبيب جاء رداً مباشراً على ما وصفته بـ 'العداء الفرنسي'، الذي تجسد في سلسلة من القرارات التي استهدفت الوجود الإسرائيلي في المحافل الدولية. واعتبرت الأوساط الأمنية أن هذه الخطوة لها أبعاد سياسية عميقة تتجاوز مجرد التبادل التجاري، لتعكس حجم الفجوة المتزايدة بين البلدين.
شهدت الفترة الماضية محاولات متكررة من إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون لمنع الشركات الإسرائيلية من المشاركة في معارض عسكرية عالمية تقام على الأراضي الفرنسية. ومن أبرز هذه الفعاليات معرض 'يوروساتوري' للأسلحة، ومعرض 'يورونافال' المتخصص في الصناعات البحرية، بالإضافة إلى معرض 'لو بورجيه' الجوي الشهير.
على الرغم من نجاح الاحتلال في نقض بعض هذه القرارات عبر المحاكم الفرنسية في اللحظات الأخيرة، إلا أن الضرر الدبلوماسي والاقتصادي قد وقع بالفعل. ويرى مراقبون أن هناك اعتبارات خارجية وضغوطاً سياسية أثرت على قرارات ماكرون، مما جعل المشاركة الإسرائيلية في هذه المحافل مهددة باستمرار.
تتذرع باريس رسمياً برفضها عرض أنظمة الأسلحة التي استخدمت في الحرب على قطاع غزة، لكن الحقيقة تبدو أكثر تعقيداً وترتبط بمصالح تجارية بحتة. فالمنافسة بين الشركات الإسرائيلية والفرنسية على المناقصات الدولية محتدمة، وغالباً ما تتفوق التكنولوجيا الإسرائيلية، مما يدفع فرنسا لمحاولة إقصاء منافستها من السوق الأوروبية.
تشير تقارير إلى أن التحركات الفرنسية تهدف أيضاً لاسترضاء القاعدة الشعبية الداخلية، خاصة في ظل تدهور العلاقات مع تل أبيب بشكل يومي. وقد زادت حدة هذه التوترات منذ توسع المواجهات العسكرية لتشمل جبهات أخرى، مما جعل التنسيق الأمني بين الطرفين في أدنى مستوياته التاريخية.
خلف الحجة الدبلوماسية تكمن مصلحة تجارية؛ ففرنسا تسعى لإقصاء الشركات الإسرائيلية من الساحات الصناعية والأمنية الأوروبية لتأمين مناقصاتها الخاصة.
من أبرز محطات التوتر كان رفض فرنسا السماح لمرور طائرة شحن أمريكية محملة بالذخائر المتجهة للاحتلال عبر مجالها الجوي. هذا الموقف أدى بشكل مباشر إلى إلغاء زيارة رسمية كانت مقررة لوكيل وزارة الدفاع الفرنسية إلى تل أبيب، مما عكس عمق الأزمة الدبلوماسية بين الجانبين.
اتسم التدخل الفرنسي في الملف اللبناني بتصريحات حادة ضد السياسات الإسرائيلية، حيث اعتبر ماكرون أن العمليات العسكرية لا تفي بمعايير القانون الدولي. كما وجه تحذيرات متكررة لنتنياهو من مغبة التصعيد البري، مؤكداً على الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع باريس ببيروت.
سارعت فرنسا لتقديم حزم مساعدات سخية للنازحين في جنوب لبنان، وحاولت لعب دور الوسيط المباشر عبر اقتراح استضافة حوار في باريس. إلا أن هذه المقترحات قوبلت بتجاهل تام من قبل الحكومة الإسرائيلية التي ترفض إشراك فرنسا في أي مفاوضات سياسية حالياً.
تفضل تل أبيب الاعتماد الكلي على الوساطة الأمريكية، معتبرة أن فرنسا فقدت حيادها تماماً وانحازت للجانب اللبناني بشكل علني. ويرى المسؤولون الإسرائيليون أنه من الصعب قبول دور وسيط لا يتخذ إجراءات واضحة تجاه القوى المسلحة في لبنان، مما ينهي عقوداً من التعاون الدبلوماسي السابق.
تعكس هذه التطورات المتلاحقة حجم العزلة الدولية المتزايدة التي تواجهها دولة الاحتلال، حتى مع أكثر الدول قرباً منها تاريخياً مثل فرنسا. إن السياسات العسكرية المتبعة في المنطقة دفعت الحلفاء التقليديين للابتعاد، مما يضع تل أبيب في مواجهة تحديات ديبلوماسية وصناعية غير مسبوقة في الساحة الأوروبية.





שתף את דעתך
أزمة التسلح تتعمق: إسرائيل تقاطع الصناعات العسكرية الفرنسية رداً على سياسات ماكرون