شهدت الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب حالة من الترقب عقب قرار الحكومة الإيطالية تعليق التجديد التلقائي لاتفاق التعاون الدفاعي المشترك. وأفادت مصادر بأن هذا الإجراء يضع الاتفاقية تحت مجهر المراجعة الحكومية الدورية، بدلاً من استمرارها بشكل آلي كما كان متبعاً في العقود الماضية.
ورغم الصدى الإعلامي للقرار، قللت مصادر أمنية إسرائيلية من خطورة الخطوة، معتبرة أنها تندرج ضمن المناورات السياسية الداخلية لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني. وأكدت هذه المصادر أن العلاقات المهنية بين وزارة الحرب الإسرائيلية ونظيرتها الإيطالية لم تتأثر بشكل ملموس حتى اللحظة.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن وزارة الخارجية الإيطالية هي المحرك الأساسي لهذا التوجه، في محاولة لموازنة الضغوط السياسية المرتبطة بالأوضاع الإقليمية. ومع ذلك، يظل التعاون العسكري القائم بين الجانبين عميقاً ومتشعباً في مجالات حيوية متعددة.
تاريخياً، تعتمد القوات الجوية التابعة للاحتلال على طائرات تدريب إيطالية متقدمة، مما يجعل فك الارتباط العسكري أمراً معقداً وصعب المنال. وفي المقابل، تلتزم شركات التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية بتزويد الجيش الإيطالي بأنظمة تسليح متطورة وفق عقود طويلة الأمد.
ولم تنجح حتى الحوادث الأمنية الخطيرة في زعزعة هذا التحالف، حيث استمر التنسيق الاستخباراتي عقب حادثة غرق زورق في عام 2023. تلك الحادثة التي أودت بحياة ضباط من الطرفين خلال مهمة سرية مشتركة، أثبتت متانة الروابط الأمنية العميقة.
وفي سياق متصل، برزت تقارير تشير إلى دور تركي غير مباشر في إعادة صياغة موازين القوى الدفاعية داخل القارة الأوروبية. حيث تسعى أنقرة لتعزيز نفوذها العسكري عبر شراكات استراتيجية مع دول كبرى في الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها إيطاليا.
وتقود شركات صناعات دفاعية تركية، بعضها مرتبط بعائلة الرئيس أردوغان، حملة تنافسية شرسة ضد المنتجات العسكرية الإسرائيلية. وتركز هذه الشركات بشكل خاص على قطاع الطائرات المسيرة الذي بات يشهد طلباً أوروبياً متزايداً في الآونة الأخيرة.
القرار الإيطالي مرتبط بدرجة كبيرة بوزارة الخارجية وليس بالمؤسسة العسكرية، مما يقلل من دلالاته الأمنية المباشرة.
وتحاول تركيا استغلال الفراغات التي قد تتركها التوترات السياسية بين إسرائيل وبعض العواصم الأوروبية لتسويق تقنياتها الخاصة. هذا التمدد التركي يضع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية في مواجهة تحديات اقتصادية غير مسبوقة داخل الأسواق التقليدية.
كما أظهرت أنقرة اهتماماً لافتاً بالانضمام إلى مشاريع إنتاج الطائرات المقاتلة الأوروبية التي تساهم فيها روما بشكل أساسي. هذا الطموح التركي يهدف إلى بناء قاعدة صناعية عسكرية مشتركة تقلل من الاعتماد على الموردين الخارجيين وتزيد من نفوذها السياسي.
ويرى مراقبون أن ما يحدث حالياً هو جزء من 'حرب اقتصادية صامتة' تدور رحاها في كواليس معارض السلاح العالمية. حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية مع الصفقات المليارية لتحديد شكل التحالفات العسكرية القادمة في منطقة حوض المتوسط.
وبالنسبة لإيطاليا، فإن مراجعة الاتفاقيات الدفاعية تمنحها هامشاً أكبر للمناورة في علاقاتها الدولية المتشابكة. فهي تسعى للحفاظ على تفوقها التقني عبر التعاون مع إسرائيل، دون خسارة الفرص الاستثمارية الواعدة التي تعرضها تركيا.
المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية تراقب عن كثب هذه التحركات التركية، خشية أن تتحول المنافسة التجارية إلى عائق سياسي دائم. وتخشى تل أبيب من أن يؤدي التقارب الإيطالي التركي في ملفات التصنيع العسكري إلى تراجع حصتها السوقية في أوروبا.
وعلى الرغم من التطمينات الإيطالية، إلا أن إلغاء التجديد التلقائي يظل رسالة سياسية واضحة تعكس تغير المناخ الدبلوماسي. فالحكومات الأوروبية باتت أكثر حذراً في إظهار الدعم العسكري المطلق في ظل الرقابة البرلمانية والشعبية المتزايدة.
ختاماً، يبقى مستقبل التعاون الدفاعي بين روما وتل أبيب رهناً بقدرة الطرفين على تجاوز العقبات الإجرائية الجديدة. وفي ظل صعود قوى إقليمية مثل تركيا، فإن خارطة التحالفات العسكرية في أوروبا قد تشهد إعادة رسم شاملة خلال السنوات المقبلة.





שתף את דעתך
تجميد اتفاق الدفاع الإيطالي مع الاحتلال: مناورة سياسية أم صعود للمنافسة التركية؟