تمر العلاقات الدبلوماسية بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي وعدة عواصم أوروبية بمرحلة من التوتر الحاد وغير المسبوق، مدفوعة بتزايد الانتقادات الدولية لسياسات الحكومة اليمينية المتطرفة. وتصدرت ألمانيا وإيطاليا مشهد الخلافات الأخيرة، حيث رصدت تقارير عبرية تراجعاً ملموساً في مستوى التفاهمات السياسية والأمنية نتيجة استمرار التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية المستمرة.
وفي خطوة تعكس عمق الأزمة الداخلية والخارجية، وجه سفير الاحتلال في برلين، رون بروسور، انتقادات علنية حادة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وجاءت هذه الانتقادات على خلفية تصريحات سموتريتش التي اعتبرت مسيئة لألمانيا، مما دفع الدبلوماسي الإسرائيلي المخضرم للتحذير من مغبة الإضرار بالعلاقات الاستراتيجية مع أحد أهم الحلفاء في القارة العجوز.
الأزمة مع برلين تفاقمت عقب إدانة رسمية ألمانية لسياسات بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما قوبل برد عدائي وشعبوي من سموتريتش. واستخدم الوزير اليميني إشارات تاريخية مرتبطة بـ 'الهولوكوست' في سجاله السياسي، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية الألمانية واعتبره السفير بروسور خلطاً مضراً بين التاريخ والسياسة الحالية.
وعلى صعيد متصل، أشارت مصادر إعلامية إلى أن العلاقات الإسرائيلية الأوروبية تعيش حالياً أصعب فتراتها منذ عقود طويلة، حيث بدأ الدعم السياسي التقليدي يتلاشى تدريجياً. ولم يعد الاحتلال يحظى بتأييد صلب سوى في دول محدودة جداً مثل صربيا وجمهورية التشيك، بينما بدأت القوى الكبرى بمراجعة مواقفها بناءً على معطيات الميدان والقانون الدولي.
وفي تحول لافت، بدأت إيطاليا تحت قيادة جورجيا ميلوني باتخاذ خطوات تُفسر على أنها تراجع في مستوى التعاون الأمني والسياسي مع تل أبيب. وأفادت تقارير بأن روما شرعت في مراجعة أو تعليق بعض الاتفاقيات الأمنية، مما يشكل ضربة قوية للتنسيق الذي كان قائماً بين الجانبين لسنوات طويلة تحت مظلة المصالح المشتركة.
الخلط بين التاريخ والسياسة يضر بذكرى المحرقة، وإسرائيل تملك انتقادات جدية لسياسات ألمانيا في ملفات حماية الجاليات اليهودية.
أما في إسبانيا، فقد استمر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في تصعيد لهجته ضد ممارسات الاحتلال، واصفاً إياها بالانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني. وقد أدى هذا الموقف إلى تراجع كبير في التمثيل الدبلوماسي المتبادل، مما يعزز فرضية أن أوروبا لم تعد بيئة مريحة للتحركات السياسية الإسرائيلية كما كانت في السابق.
وحذر محللون من أن هذا 'التآكل غير المسبوق' في مكانة الاحتلال داخل أوروبا ستكون له تداعيات استراتيجية بعيدة المدى على كافة الأصعدة. فإلى جانب العزلة السياسية، يبرز خطر تأثر التبادل التجاري والتعاون العلمي والأكاديمي الوثيق بين الطرفين، وهي مجالات تعتمد عليها إسرائيل بشكل حيوي في نموها الاقتصادي والتقني.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن محاولات الحكومة الإسرائيلية تعويض خسارة الدعم الأوروبي عبر التوجه نحو الولايات المتحدة أو القوى الآسيوية مثل الهند لن تكون كافية. فالدور الأوروبي التقليدي يظل ركيزة أساسية في الشرعية الدولية والمنظومة الاقتصادية العالمية، وفقدانه قد يضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع عقوبات أو ضغوط دولية متزايدة.
داخلياً، تصاعدت الأصوات الناقدة لسياسة الحكومة الحالية، محملة التيار اليميني المتشدد مسؤولية تدهور العلاقات الخارجية بسبب مواقف وصفت بأنها 'غير محسوبة دبلوماسياً'. ويرى مراقبون أن إهمال القارة الأوروبية لسنوات لصالح التركيز المطلق على واشنطن أدى إلى رد فعل عكسي قلص من نفوذ الاحتلال في المحافل الأوروبية.
وختاماً، يبدو أن المشهد الإعلامي والسياسي في دول مثل إيطاليا بات أكثر نقدية تجاه الاحتلال، مما يضع الحكومات الأوروبية تحت ضغوط شعبية وبرلمانية هائلة. وإذا لم يجرِ الاحتلال مراجعة شاملة لسياساته الدبلوماسية، فإن مسار العزلة السياسية التدريجية قد يصبح واقعاً يصعب العودة عنه في المستقبل القريب.





שתף את דעתך
أزمة دبلوماسية متصاعدة.. الاحتلال يواجه خطر العزلة في أوروبا وتوتر حاد مع ألمانيا وإيطاليا