أثار إعلان القيادة المركزية الأمريكية عن بدء محاصرة الموانئ الإيرانية في الخليج العربي تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه العملية العسكرية ومدى قدرة واشنطن على تنفيذها ميدانياً. وتبرز الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري في ظل الصعوبات البالغة التي تواجه فرض حصار مباشر، مما يرجح سيناريو الاكتفاء باعتراض السفن في عرض البحر بعيداً عن المضائق الحيوية.
ميدانياً، رصدت تقارير عسكرية تحرك مدمرتين أمريكيتين نحو مضيق هرمز عقب دخول هدنة وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الأسبوع الماضي، وذلك للقيام بمهام إزالة الألغام. ورغم الطابع السلمي المعلن لهذه المهمة، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف الموقع الدقيق لهذه القطع البحرية وما إذا كانت قد جازفت بعبور المضيق فعلياً تحت أنظار القوات الإيرانية.
خلال فترة المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، لوحظ غياب تام للسفن الحربية الأمريكية عن داخل مياه الخليج العربي، بما في ذلك القواعد التقليدية مثل مقر الأسطول الخامس في البحرين. هذا التراجع الاستراتيجي يعكس إدراكاً أمريكياً لخطورة الاقتراب من السواحل الإيرانية التي باتت محصنة بمنظومات دفاعية وهجومية متطورة.
إن فرضية الحصار المباشر تصطدم بواقع جغرافي وعسكري معقد، حيث إن اقتراب القطع البحرية من الموانئ الإيرانية يجعلها هدفاً سهلاً للمسيّرات والصواريخ الجوالة. وتؤكد مصادر عسكرية أن القوة النارية الإيرانية قادرة على استنزاف المخزون الصاروخي لأي مدمرة أمريكية عبر هجمات موجية مكثفة تستمر لساعات طويلة.
تحمل المدمرة الأمريكية الواحدة في أقصى حالات تسليحها نحو 500 صاروخ، تتوزع بين مهام الدفاع الجوي والهجوم البري. وفي حال تعرضها لهجوم منسق بالمئات من الطائرات الانتحارية، فإن قدرات الدفاع الجوي قد تنفد، مما يترك السفينة مكشوفة تماماً أمام الضربات القاتلة التي قد تنهي خدمتها في دقائق.
أما خيار استخدام الغواصات لفرض الحصار، فرغم كونه ممكناً من الناحية النظرية، إلا أنه يواجه تحديات لوجستية وعملياتية كبيرة في مياه الخليج الضحلة. ويبدو أن البنتاغون يفضل حتى الآن إبقاء قطعه الثقيلة، مثل حاملة الطائرات 'أبراهام لنكولن'، في مناطق آمنة بجنوب بحر العرب بعيداً عن التهديدات المباشرة.
الحذر الأمريكي الحالي يستند إلى تجارب سابقة قريبة، منها ما كُشف عنه حول تهديدات الحوثيين لحاملة الطائرات 'ترومان' في أبريل 2025. تلك الحادثة دفعت البيت الأبيض لتوقيع هدنة مفاجئة، مما يشير إلى أن واشنطن ليست مستعدة للمغامرة بهيبة بحريتها في مواجهة صواريخ إيرانية هي بالضرورة أكثر تطوراً وفتكاً.
فرض حصار مباشر على الموانئ الإيرانية يبدو شديد الصعوبة، إذ يضع السفن الحربية ضمن مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية المكثفة.
بالنظر إلى هذه المعطيات، يبرز خيار اعتراض السفن في أعالي البحار كبديل أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ بالنسبة للإدارة الأمريكية. هذا السيناريو يسمح بمراقبة وتفتيش السفن المتجهة من وإلى إيران دون الدخول في 'منطقة القتل' الصاروخية التي تسيطر عليها طهران حول مضيق هرمز.
في المقابل، تعتبر واشنطن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً قضية تتعلق بـ 'الشرف العسكري' والالتزامات الدولية التي تعهدت بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالحفاظ على تدفق النفط العالمي يعد الركيزة الأساسية لعمل الأساطيل البحرية الأمريكية السبعة المنتشرة حول العالم، وأي تراجع هنا يعني انهيار الهيبة الدولية.
التحدي الأكبر الذي يواجه البحرية الأمريكية اليوم هو سعي إيران لفرض سيادة كاملة على المضيق، بما في ذلك فرض رسوم عبور على السفن التجارية. هذه الخطوة الإيرانية تُعد ضربة معنوية قوية لواشنطن، حيث توحي للعالم بتراجع القدرة الأمريكية على تأمين الملاحة الدولية في أهم ممر مائي للطاقة.
التقارير العسكرية تشير إلى أن سيناريوهات سابقة، مثل عمليات الكوماندوز لسرقة اليورانيوم أو الإنزال البحري لفتح المضيق بالقوة، قد تم استبعادها لعدم واقعيتها. فالقوة النارية التي تمتلكها إيران تجعل من أي عملية برية أو بحرية قريبة من سواحلها مغامرة غير محسوبة النتائج قد تشعل حرباً إقليمية شاملة.
يبقى التساؤل قائماً حول مدى فعالية الحصار في أعالي البحار في خنق الاقتصاد الإيراني، خاصة مع وجود طرق إمداد بديلة وتنسيق إقليمي معقد. ومع ذلك، يظل هذا الخيار هو الأقل كلفة بالنسبة للبنتاغون الذي يحاول موازنة الضغط السياسي مع الضرورات الأمنية لحماية جنوده وقطعه البحرية.
إن الصراع الحالي في مياه الخليج وبحر العرب يتجاوز مجرد اعتراض سفن، بل هو صراع على قواعد الاشتباك الجديدة في المنطقة. فإيران تحاول فرض واقع جديد ينهي التفوق البحري الأمريكي المطلق، بينما تحاول واشنطن استعادة زمام المبادرة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مدمرة.
في نهاية المطاف، ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت التحركات الأمريكية الحالية هي مجرد استعراض للقوة أم بداية لاستراتيجية خنق طويلة الأمد. لكن المؤكد أن أي خطأ في الحسابات عند مضيق هرمز قد يؤدي إلى تداعيات لا يمكن التنبؤ بها على أسعار الطاقة والأمن العالمي بشكل عام.





שתף את דעתך
تحديات الحصار البحري: هل تكتفي واشنطن باعتراض السفن الإيرانية في أعالي البحار؟