تسود حالة من التشكيك داخل الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل حيال إمكانية تحقيق خرق جدي في المفاوضات الجارية بين السفيرين الإسرائيلي واللبناني في واشنطن. وتشير القراءات التحليلية إلى أن إسرائيل لا تزال تتوقع فشل المسارات الدبلوماسية، ليس فقط على الجبهة اللبنانية، بل حتى في الملف النووي الإيراني، حيث تستعد المؤسسة العسكرية لاحتمالية معاودة الحرب.
وتفيد تسريبات من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الفجوة بين الطرفين لا تزال عميقة جداً، مما يجعل خيار التصعيد العسكري أقرب من التسوية السياسية. وتخشى تل أبيب من أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران قد يمنح الأخيرة فرصة لترميم قدراتها العسكرية والصاروخية، وهو ما ينعكس مباشرة على قوة حلفائها في المنطقة وعلى رأسهم حزب الله.
من جانبه، حذر المحلل العسكري عاموس هارئيل من أن استمرار القيادة الإسرائيلية في البحث عن 'صورة انتصار' قد يؤدي إلى نتائج عكسية تهدد كفاءة الجيش. وأشار هارئيل إلى أن احتمالات نجاح مفاوضات واشنطن ضئيلة، نظراً لأن الهدف الإسرائيلي المعلن هو تفكيك بنية حزب الله العسكرية، وهو أمر يرفضه الحزب جملة وتفصيلاً.
ويرى مراقبون أن إسرائيل وجدت نفسها مضطرة للجلوس على طاولة المفاوضات استجابة لضغوط مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويأتي هذا التحول بعد فترة طويلة من الرفض الإسرائيلي للمطالب اللبنانية، حيث تتبنى حكومة بنيامين نتنياهو حالياً عقيدة أمنية تعتمد على ممارسة أقصى درجات القوة العسكرية لفرض شروطها.
وفي سياق متصل، أوضحت مصادر إعلامية أن نتنياهو يحاول الموازنة بين الضغوط الأمريكية وبين وعوده للجمهور الإسرائيلي بتحطيم قدرات حزب الله. وقد وفرت واشنطن لنتنياهو مخرجاً ديبلوماسياً عبر إطلاق 'مفاوضات سلام' تهدف في جوهرها إلى الوصول لوقف إطلاق نار مؤقت أو تقليص حدة العمليات القتالية دون الظهور بمظهر المنكسر.
ويستذكر الخبراء الإسرائيليون تجارب سابقة فاشلة في التفاوض مع لبنان، مثل محاولات عام 1983 التي لم تسفر عن نتائج ملموسة على الأرض. ويؤكد البروفيسور أيال زيسر أن الجانب اللبناني يركز حالياً على انتزاع وقف لإطلاق النار فقط، دون امتلاك القدرة الفعلية على تنفيذ مطالب إسرائيل المتعلقة بنزع سلاح الفصائل المسلحة.
إسرائيل تذهب إلى هذه المفاوضات مضطرة ونزولاً عند رغبة ترامب، بعدما كانت ترفض طلبات الحكومة اللبنانية بالتفاوض.
ويضيف زيسر أن الرواية الرسمية الإسرائيلية التي تتحدث عن إضعاف حزب الله بشكل نهائي تفتقر للدقة، مؤكداً أن الحزب لا يزال يحتفظ بترسانة ضخمة من الصواريخ والمسيرات. وبحسب تقديراته، فإن حزب الله قادر على إدارة حرب استنزاف طويلة الأمد، مستشهداً بتعثر حسم المعركة في قطاع غزة رغم مرور وقت طويل على اندلاعها.
وعلى الصعيد الميداني، تشير التقارير إلى أن حزب الله لا يزال يسيطر على زمام المبادرة في العديد من النقاط الحدودية رغم التوغل الإسرائيلي المحدود. ويرى مراقبون أن تقدم القوات الإسرائيلية لم يتجاوز كيلومترات قليلة في بعض المحاور بعد أسابيع من القتال، مما يعزز سردية الحزب حول قدرته على الصمود والمواجهة.
من جهة أخرى، يبرز الخلاف الجوهري حول توقيت وقف إطلاق النار، حيث يشترط لبنان وقف العمليات العسكرية كخطوة أولى تسبق أي تنسيق ديبلوماسي. في المقابل، تصر الحكومة الإسرائيلية على مبدأ 'التفاوض تحت النار'، رغبة منها في استمرار الضغط العسكري لتحصيل مكاسب سياسية أكبر على طاولة المفاوضات.
المحلل تسفي بار إيل اعتبر أن هذه المفاوضات تمثل 'امتحان سيادة' للدولة اللبنانية ومستقبل مؤسساتها في ظل الصراع القائم. وأشار إلى أن الفجوات في المواقف ليست تقنية فحسب، بل تتعلق برؤية كل طرف لشكل الاستقرار المستقبلي على الحدود المشتركة، وهو ما يجعل الوصول لاتفاق شامل أمراً بعيد المنال في الوقت الراهن.
وفيما يخص الدور الإيراني، ربطت طهران بشكل واضح بين مسار مفاوضات إسلام آباد وبين التطورات الميدانية في لبنان، مما يعقد المشهد الإقليمي. هذا الربط يضع المفاوض الإسرائيلي أمام تحدي التعامل مع جبهات متعددة مترابطة، حيث تؤثر أي تفاهمات في واشنطن على توازنات القوى في المنطقة بأكملها.
ختاماً، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه لقاءات واشنطن، رغم غلبة التشاؤم على تصريحات المسؤولين والمحللين في تل أبيب. ومع استمرار القصف المتبادل، يبدو أن الميدان سيظل هو الحكم الأساسي في تحديد سقف المطالب السياسية لكل من إسرائيل ولبنان في المرحلة المقبلة.





שתף את דעתך
تشاؤم إسرائيلي حيال مفاوضات واشنطن مع لبنان وتوقعات باستئناف المواجهة