كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة النفط العراقية عن تراجع حاد وخطير في معدلات التصدير النفطي خلال شهر آذار/مارس الماضي، حيث سجلت الإحصائيات الصادرة عن شركة تسويق النفط 'سومو' انخفاضاً تجاوزت نسبته 81 بالمئة. وأوضحت المصادر أن إجمالي الصادرات، بما فيها المكثفات، استقر عند نحو 18.6 مليون برميل فقط، محققاً إيرادات لم تتجاوز عتبة 1.95 مليار دولار.
تأتي هذه الأرقام الصادمة لتعكس حجم الفجوة الكبيرة مقارنة بالأشهر السابقة، إذ سجل شهر شباط/فبراير الماضي صادرات بلغت نحو 99.9 مليون برميل، بينما وصلت في كانون الثاني/يناير إلى 107.6 مليون برميل. هذا الهبوط الحاد يضع الاقتصاد العراقي، الذي يصنفه البنك الدولي كأحد أكثر الاقتصادات اعتماداً على النفط في المنطقة، في مواجهة مباشرة مع خطر الإفلاس المالي.
يعاني العراق من غياب حقيقي لتنويع مصادر الدخل، مما يجعل موازناته المالية رهينة لتقلبات الأسعار العالمية وظروف الملاحة الدولية. ومع اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أمريكي وإسرائيلي على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، دخلت البلاد في نفق اقتصادي مظلم نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وتضرر البنية التحتية للطاقة.
قبل اندلاع الأعمال العسكرية، كان العراق يصدر ما متوسطه 4.3 مليون برميل يومياً، تتدفق غالبيتها عبر موانئ البصرة المطلة على الخليج العربي. ومع تصاعد حدة النزاع، انكمش الإنتاج ليصل إلى قرابة مليون و100 ألف برميل يومياً، وهو ما يمثل ربع القدرة الإنتاجية السابقة تقريباً، مما تسبب في خسائر مالية فادحة للدولة.
يشكك خبراء اقتصاد وأكاديميون في قدرة بغداد على تعويض هذه الخسائر في المدى المنظور، خاصة مع الالتزامات القائمة تجاه تحالف 'أوبك+' بشأن الحصص التصديرية. ويبقى الرهان الوحيد للحكومة هو حدوث قفزة كبيرة في أسعار النفط العالمية لتعويض النقص الكمي في البراميل المصدرة، وهو رهان محفوف بالمخاطر في ظل اضطراب الأسواق.
على الصعيد الداخلي، بدأت ملامح صدمة مالية تلوح في الأفق، حيث تتجاوز فاتورة الرواتب الشهرية للموظفين والمتقاعدين حاجز 8 تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل 6.25 مليار دولار. ومع تراجع الإيرادات الشهرية إلى أقل من ملياري دولار، باتت الحكومة عاجزة عن تغطية ثلث الالتزامات الأساسية المتعلقة بالرواتب.
حذر الخبير المالي محمود داغر من تداعيات هذا التراجع، واصفاً الاقتصاد العراقي بأنه تحول إلى 'اقتصاد رواتب' يفتقر للإنتاجية. وأشار داغر إلى أن المالية العامة تواجه ضغوطاً غير مسبوقة قد تجبر الدولة على اللجوء إلى خيارات صعبة مثل الاقتراض الخارجي أو الإصدار النقدي الجديد لتأمين النفقات التشغيلية.
إيرادات صادرات النفط لشهر آذار البالغة نحو ملياري دولار لا تكفي لتغطية بند الرواتب، مما يخلق فجوة مالية تدفع الحكومة للاقتراض.
أكدت تقارير مالية أن المصارف المحلية غير قادرة في الوقت الراهن على تقديم الدعم المالي أو إقراض الحكومة لتغطية العجز، وذلك بسبب ضعف الاحتياطيات المالية في حسابات وزارة المالية. هذا الوضع يعكس خللاً هيكلياً عميقاً في بنية الدولة التي باتت تستهلك أكثر مما تنتج، مما يهدد الاستقرار النقدي والاجتماعي.
يرى مراقبون أن استمرار الاعتماد الكلي على النفط يجعل العراق عرضة لصدمات خارجية دائمة، سواء عبر تقلب الأسعار أو تعطل الممرات المائية. ودعا مختصون إلى ضرورة التحول الجذري نحو تفعيل قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات لتقليل الارتهان للذهب الأسود الذي بات تصديره مهدداً بفعل التوترات الإقليمية.
يزداد القلق الاقتصادي مع استمرار التهديدات التي تطال حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي الوحيد لصادرات البصرة. وأكد النائب محمد البياتي أن العراق يعد من أكثر المتضررين من الحرب الدائرة، مشيراً إلى أن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة سيؤدي إلى شلل تام في التدفقات المالية للدولة.
أوضح البياتي أن البدائل التصديرية للعراق لا تزال ضعيفة للغاية، حيث لا تتجاوز قدرة الأنابيب والمنافذ البرية نسبة 8% من إجمالي الصادرات. هذا الواقع يترك العراق بخيارات ضيقة جداً في مواجهة الأزمات، ويجعله الطرف الأضعف في معادلة الطاقة الإقليمية المتأثرة بالصراع العسكري.
من جانبها، طالبت الوكالة الدولية للطاقة بضرورة إيجاد حلول عاجلة لخفض الطلب العالمي على النفط والغاز المار عبر مضيق هرمز. ووصف المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، الوضع الحالي بأنه 'أسوأ اضطراب عالمي في مجال الطاقة'، مؤكداً أن الحل يكمن في ضمان حرية الملاحة الدولية بعيداً عن الصراعات.
كشفت الوكالة الدولية أن الحرب تسببت في تضرر أكثر من 80 منشأة نفطية وغازية في أنحاء الشرق الأوسط، شملت محطات إنتاج ومصافي حيوية. هذا الدمار الواسع في البنية التحتية للطاقة يجعل من عملية تعويض النقص أمراً معقداً، ولا يمكن للاحتياطيات الاستراتيجية وحدها أن تحل الأزمة المتفاقمة.
في ظل هذه المعطيات، يترقب الشارع العراقي بقلق مصير المستحقات المالية للأشهر القادمة، وسط تحذيرات من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تآكل الاستقرار النقدي. وتظل الحكومة العراقية أمام اختبار حقيقي لمواجهة الفجوة التمويلية الهائلة بين إيرادات نفطية متقلصة والتزامات معيشية متزايدة لملايين المواطنين.





שתף את דעתך
أزمة رواتب تلوح في الأفق: صادرات العراق النفطية تهوي بنسبة 81% جراء الحرب