واشنطن – سعيد عريقات – 14/4/2026
تحليل إخباري
دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الحساسية، مع تزايد المؤشرات على احتمال استئناف المفاوضات خلال الأيام القليلة المقبلة، رغم غياب أي قرار حاسم بهذا الشأن حتى الآن. وبحسب ما نسبته وكالة "أسوشييتد برس" إلى مسؤول أميركي، فإن جولة جديدة من المحادثات قد تُستأنف ربما يوم الخميس، من دون تأكيد رسمي لا على موعدها النهائي ولا على مكان انعقادها المحتمل. ويأتي ذلك في ظل تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها باكستان، في محاولة لإعادة الطرفين إلى طاولة الحوار بعد انهيار الجولة السابقة.
في المقابل، يعكس هذا الحراك الدبلوماسي الهش واقعًا ميدانيًا متصاعد التوتر، حيث شرعت الولايات المتحدة في فرض إجراءات بحرية مشددة على الموانئ الإيرانية، وُصفت بأنها بمثابة حصار بحري فعلي، ما ينذر بتداعيات خطيرة على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع استمرار وقف إطلاق النار الهش الذي لا يزال قائمًا بصعوبة.
في هذا السياق، صرّح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، يوم الاثنين ، بأن الولايات المتحدة ترى إمكانية التوصل إلى “صفقة كبرى” مع إيران، غير أنه شدد على أن الخطوة التالية تعود إلى طهران. وفي مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، أوضح فانس أن محادثات إسلام آباد "لم تكن سيئة بالكامل"، مشيرًا إلى أن الجانب الإيراني أبدى بعض المرونة وتحرك باتجاه الموقف الأميركي، إلا أن هذه الخطوات "لم تكن كافية لإرضاء واشنطن"، وفق تعبيره.
وأكد فانس أن الشرط الأساسي للإدارة الأميركية يتمثل في تجريد إيران بشكل كامل من أي قدرة على تخصيب اليورانيوم، مضيفًا: "نريد إخراج اليورانيوم المخصب من إيران بشكل كامل". كما ربط إمكانية إبرام الصفقة المنشودة بتخلي طهران عن السعي لامتلاك سلاح نووي ووقف ما وصفه بـ"دعم الإرهاب"، ما يعكس استمرار الفجوة العميقة بين مواقف الطرفين.
وكانت الجولة السابقة من المحادثات، التي استمرت نحو 21 ساعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، قد انتهت في 11 نيسان دون التوصل إلى اتفاق، رغم كونها الأعلى مستوى منذ عام 1979. ووفق مصادر دبلوماسية، فقد تركزت الخلافات حول ملفات استراتيجية معقدة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، ودور طهران الإقليمي، وترتيبات الأمن في مضيق هرمز.
وبعيد إعلان فشل المفاوضات، بدأت ملامح التصعيد العسكري بالظهور، حيث أفادت تقارير بأن البحرية الأميركية باشرت، اعتبارًا من 13 نيسان ، تنفيذ إجراءات مشددة لمراقبة الموانئ الإيرانية، في خطوة تهدف، بحسب واشنطن، إلى منع تهريب الأسلحة وفرض مزيد من الضغط الاقتصادي. غير أن طهران اعتبرت هذه الخطوة تصعيدًا خطيرًا، محذرة من أنها قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، لا سيما إذا تأثرت حركة الملاحة في الخليج.
وترافقت هذه الإجراءات مع لهجة أميركية متشددة، حيث لوّح الرئيس دونالد ترمب باستهداف أي سفن إيرانية تحاول كسر الحصار أو تهديد القوات الأميركية. في المقابل، أكدت إيران أن أي مساس بسيادتها البحرية سيُقابل برد حازم، مشددة على أن أمن مضيق هرمز يمثل "خطًا أحمر".
وعلى صعيد العقبات التفاوضية، لا تزال الفجوات قائمة حول قضايا رئيسية، في مقدمتها إصرار إيران على الاحتفاظ بحقها في تخصيب اليورانيوم، وتمسكها بدورها الإقليمي، مقابل مطالب أميركية بوقف شامل للتخصيب عالي النسبة، وتقليص النفوذ الإقليمي، وربط أي تخفيف للعقوبات بتنازلات ملموسة.
ورغم هذا الانسداد، تواصل باكستان جهودها للوساطة، حيث يسعى وزير خارجيتها إسحاق دار إلى تقريب وجهات النظر، مستفيدًا من علاقات بلاده المتوازنة مع الطرفين. وتشير التقديرات إلى أن نجاح هذه الوساطة سيظل مرهونًا بمدى استعداد كل من واشنطن وطهران لتقديم تنازلات متبادلة.
في غضون ذلك، تتزايد المخاوف الدولية من تداعيات الحصار البحري، نظرًا لأهمية الخليج كممر حيوي لإمدادات الطاقة. وأي تعطيل في حركة النفط عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي في مرحلة تتسم أصلًا بهشاشة الأسواق.
كما يتكامل هذا الحصار مع منظومة العقوبات الاقتصادية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تشديدها، عبر استهداف صادرات النفط الإيرانية وشبكاتها التجارية، ما يدفع طهران إلى البحث عن بدائل، سواء عبر قنوات التفاف أو من خلال تعزيز علاقاتها مع قوى دولية منافسة.
ويكشف الانهيار السريع للمفاوضات عن خلل بنيوي في المقاربة الأميركية، التي تجمع بين التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي دون توفير أرضية ثقة كافية. فسياسة "الضغط الأقصى" قد تنجح في إضعاف الخصم اقتصاديًا، لكنها نادرًا ما تدفعه إلى تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر أمنه القومي. بل على العكس، غالبًا ما تعزز هذه الضغوط النزعة التصلبية لدى صانع القرار الإيراني، وتدفعه إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، ما يعقّد فرص الوصول إلى تسوية مستدامة.
في المقابل، يطرح الموقف الإيراني القائم على التمسك الكامل بحقوقه النووية والإقليمية تحديات كبيرة، إذ يصطدم بواقع دولي لا يسمح بسهولة بتكريس مثل هذا الدور دون كلفة. فالإصرار على هذا النهج، في ظل تصاعد الحصار والضغوط، قد يؤدي إلى مزيد من العزلة ويقيد خيارات طهران الاقتصادية. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة لاعتماد مقاربة أكثر مرونة توازن بين الثوابت السيادية ومتطلبات الانخراط الواقعي في النظام الدولي.
أما الوساطة الباكستانية، فتقف أمام اختبار معقد في بيئة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب. فنجاحها لا يعتمد فقط على جمع الطرفين، بل على قدرتها في بلورة حلول وسط مبتكرة تراعي حساسيات القضايا المطروحة. وفي ظل انعدام الثقة العميق بين واشنطن وطهران، قد تشكل هذه الوساطة فرصة نادرة لتفادي التصعيد، لكنها تظل رهينة بإرادة سياسية تبدو حتى الآن مترددة، إن لم تكن غائبة بالكامل.





שתף את דעתך
مؤشرات لاستئناف مفاوضات واشنطن–طهران وسط تصعيد الحصار البحري