لم يعد التساؤل السائد في الأوساط السياسية والاقتصادية يقتصر على مدى تأثير أزمة مضيق هرمز على قفزات أسعار الطاقة العالمية فحسب. بل بات التركيز منصباً على كيفية إعادة صياغة مستويات التنسيق بين القوى الكبرى المتضررة من أي اختناق يطال الممرات البحرية الحيوية.
تتصدر الصين قائمة هذه القوى باعتبارها المستورد الآسيوي الأكبر للنفط العابر للمضيق، بينما تجد روسيا في هذا الاضطراب فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها. أي تحرك أمريكي لفرض حصار بحري على إيران لن يمر كحدث عسكري عابر، بل سيتحول إلى قوة دفع لموسكو وبكين لرفع سقف تعاونهما.
تنظر بكين إلى مضيق هرمز من منظور أمن الطاقة القومي، كونه يمثل نقطة الاختناق النفطي الأهم في العالم. وقد كشفت بيانات النصف الأول من عام 2025 عن عبور نحو 23.2 مليون برميل يومياً من خلاله، ما يعادل ثلث التجارة البحرية العالمية تقريباً.
إن أي تعطيل واسع النطاق في هذا الممر المائي سيصيب عصب الاقتصاد الآسيوي في مقتل، وهو ما يفسر الحساسية الصينية المفرطة تجاه الملف. وتزداد هذه الحساسية بالنظر إلى أن الجزء الأكبر من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات يجد طريقه تاريخياً إلى المصافي الصينية.
أفادت مصادر متقاطعة، بناءً على بيانات مراقبة الشحن أن الصين استحوذت على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني المنقول بحراً. وبمعدل تدفق يصل إلى 1.38 مليون برميل يومياً، يظهر بوضوح مدى الارتباط الوثيق بين بكين والنفط الإيراني رغم القيود الدولية.
هذا الاعتماد الكبير هو المحرك الأساسي الذي يدفع الصين نحو تعميق التنسيق مع الجانب الروسي في ملفات الطاقة. فرغم امتلاك بكين لمخزونات استراتيجية، إلا أنها ترى في روسيا الشريك القادر على تعويض أي نقص مفاجئ في إمدادات الخليج.
تتحول روسيا في هذا السيناريو من مجرد مورد تقليدي إلى أداة لامتصاص الصدمات الاقتصادية التي قد تنتج عن إغلاق المضيق. وبذلك تصبح موسكو شريكاً أكثر أهمية في لحظات الاضطراب العالمي، مما يعزز من متانة الجبهة الشرقية في مواجهة الضغوط الغربية.
مضيق هرمز قد لا يصنع حلفاً روسياً صينياً جديداً، لكنه يسرّع ولادة مرحلة أكثر تماسكاً في العلاقة بين القطبين لمواجهة الهيمنة البحرية الأمريكية.
من منظور موسكو، لا تمثل أزمة هرمز تهديداً للأسواق فحسب، بل هي نافذة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي والمالي. فكلما زادت المخاطر على إمدادات الخليج، ارتفعت القيمة السوقية للطاقة الروسية المتجهة نحو الأسواق الآسيوية المتعطشة للبدائل المستقرة.
ومع ذلك، لا ترغب روسيا في رؤية فوضى شاملة قد تؤدي إلى انهيار الاقتصاد العالمي وتداعيات لا يمكن السيطرة عليها. هي تفضل استثمار حالة القلق الصيني والآسيوي لدفعهم نحو بدائل طاقة برية أو مسارات بحرية أقل عرضة للسيطرة الأمريكية.
في هذا السياق، برزت تحركات دبلوماسية روسية داخل مجموعة 'بريكس' تهدف إلى بناء منظومة لمواجهة تداعيات أزمات الشرق الأوسط. ويشمل هذا التنسيق قطاعات حيوية مثل الغذاء والأسمدة، لضمان استقرار سلاسل الإمداد بعيداً عن التأثيرات الغربية المباشرة.
المؤشرات على هذا التقارب لم تتوقف عند الجوانب الاقتصادية، بل امتدت لتشمل أروقة مجلس الأمن الدولي بوضوح. حيث استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مشاريع قرارات غربية تتعلق بالملاحة في هرمز، معتبرتين إياها مقاربات غير متوازنة.
تعكس هذه الخطوة رغبة مشتركة في كسر الاحتكار الأمريكي لتعريف الأزمات الدولية وشروط إدارتها أمنياً. وقد أظهرت المواقف المعلنة مؤخراً توافقاً في اللغة السياسية التي ترفض التصعيد الأحادي وتدعو إلى حلول تفاوضية تحفظ توازن الأسواق الدولية.
إذا ما تطورت الأوضاع نحو إغلاق كلي للمضيق أو حصار طويل الأمد، فإننا سنشهد قفزة في مستوى التنسيق المالي بين البلدين. وقد يشمل ذلك تطوير أنظمة مدفوعات بديلة داخل إطار 'بريكس' لتقليل الاعتماد على المنظومات المالية التي تسيطر عليها واشنطن.
في الختام، يبدو أن مضيق هرمز قد تحول إلى مختبر حقيقي لاختبار متانة الشراكة الروسية الصينية في القرن الحادي والعشرين. الضغط الأمريكي على الممرات المائية لا يهدد تدفق النفط فحسب، بل يسرع من عملية إعادة ترتيب التوازنات الدولية الكبرى.





שתף את דעתך
أزمة مضيق هرمز: محرك استراتيجي لتعميق التحالف الروسي الصيني