تتحول العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى ساحة دبلوماسية معقدة، حيث تُنصب طاولة المفاوضات فوق خرائط ملتهبة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وأعصاب الجيوش. لا تبدو هذه اللقاءات مجرد بروتوكول اعتيادي، بل هي منصة فولاذية تعكس حجم القلق الدولي والشكوك التاريخية العميقة بين الأطراف المتصارعة.
يدخل الوفد الأمريكي هذه المرة بتركيبة لافتة يترأسها جي دي فانس، ويبرز فيها اسم جاريد كوشنر الذي يثير حساسية مفرطة لدى الجانب الإيراني. يرافقهم ستيف ويتكوف والجنرال براد كوبر، مما يعطي انطباعاً بأن واشنطن تمزج بين لغة الصفقات التجارية والحسابات العسكرية الدقيقة في آن واحد.
في المقابل، تبرز طهران بمنظومة دولة متكاملة يمثلها محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، اللذان يتقنان فن هندسة الكلمات والمواقف السياسية. يرافقهم مجيد تخت روانشي، حامل الملفات الثقيلة، في إشارة واضحة إلى أن إيران لا تفصل بين المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية في أي حوار.
تلعب باكستان دور الوسيط بثقلها السياسي والعسكري، ممثلة بشهباز شريف وعاصم منير، في محاولة جادة لإبقاء شرارة الحريق بعيداً عن حدودها. هذه الوساطة تتجاوز مجرد نقل الرسائل، لتصبح محاولة لضبط إيقاع الصراع ومنع انزلاقه نحو مواجهة شاملة لا تحمد عقباها.
تطرح هذه اللقاءات تساؤلاً جوهرياً حول ماهية ما يجري خلف الأبواب المغلقة؛ هل هي مفاوضات حقيقية أم مسرح لعرض النوايا المبيتة؟ إن وجود رجال الصفقات بجانب الجنرالات يوحي بأن ما يُناقش يتجاوز الاتفاقات التقليدية ليصل إلى رسم مستقبل الصراع في المنطقة.
السيناريو الأول المطروح هو النجاح النسبي الذي يشبه الإسعافات الأولية، عبر التوصل لاتفاق مؤقت يضمن تهدئة محسوبة وتخفيفاً جزئياً للعقوبات. في هذا المسار، يربح الجميع الوقت وتتنفس الأسواق العالمية الصعداء، لكنه يظل تأجيلاً أنيقاً للمواجهة وليس سلاماً مستداماً.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في فشل المفاوضات دون إعلان ذلك رسمياً، والاكتفاء بتصريحات دبلوماسية مرنة وصور بروتوكولية للمصافحات. هذا المسار يعني خروج كل طرف بيقين أكبر بعدم جدوى الحوار، مما يحول إسلام آباد من محطة تفاوض إلى منصة انطلاق نحو تصعيد جديد.
ما يحدث في إسلام آباد ليس مفاوضات بالمعنى الكلاسيكي، بل هو اختبار توازن لمعرفة مدى القدرة على الضغط دون الوصول إلى نقطة الانفجار.
يعد وجود جاريد كوشنر في الوفد الأمريكي رسالة مشفرة لإيران بأن الإدارة الأمريكية لم تغير جوهر استراتيجيتها بل غيرت لهجتها فقط. هذا الحضور يعمق الشكوك الإيرانية ويجعل الأرضية التي تُبنى عليها التفاهمات زلقة وغير مستقرة، مما يصعب مهمة الدبلوماسيين التقليديين.
السيناريو الثالث والأخطر يتمثل في كون هذه المفاوضات مجرد 'ستار حريري' لعمليات إعادة تموضع عسكري أو اختبار لردود الفعل الإيرانية. قد تهدف واشنطن من خلالها إلى ضبط أسعار النفط عالمياً مع رسم بنك أهداف أكثر دقة للمرحلة القادمة تحت غطاء الحوار.
في هذا السياق، تتحول الكلمات الدبلوماسية إلى أدوات استطلاع استخباراتي، وتصبح الابتسامات وسيلة لقياس مدى صمود الطرف الآخر. الصمت في هذه الغرف قد يكون أخطر من التهديدات العلنية، لأنه يخفي خلفه ترتيبات لمواجهات قد تكون أكثر ضراوة.
تثار تساؤلات حول احتمالية استخدام هذه اللقاءات لاستدراج أهداف نوعية أو تنفيذ عمليات اغتيال تطال شخصيات حساسة في الهرم الإيراني. ومع ذلك، يظل هذا الاحتمال مستبعداً نظراً للكلفة الباهظة التي قد تترتب عليه، فإيران ليست ساحة رخوة يمكن استدراجها بسهولة لحرب مفتوحة.
إن ما يجري في إسلام آباد هو 'اختبار توازن' بامتياز، حيث تسعى واشنطن لمعرفة حدود الضغط الممكنة دون الوصول للانفجار. وفي المقابل، تختبر طهران مدى قدرتها على الصمود والمناورة دون تقديم تنازلات جوهرية تمس ثوابتها الاستراتيجية في المنطقة.
تحاول باكستان جاهدة منع تحول الإجابات السياسية إلى صواريخ ميدانية، مدركة أن أي فشل في ضبط الإيقاع سينعكس عليها مباشرة. الوساطة هنا هي مهمة انتحارية بين طرفين يملك كل منهما أوراق قوة تجعل من التنازل أمراً صعب المنال في الوقت الراهن.
في الختام، قد لا يخرج العالم من طاولة إسلام آباد باتفاق تاريخي ينهي الأزمات، لكن المؤكد أن قواعد اللعبة ستتغير. الأخطر في هذه اللحظة التاريخية ليس ما يقال علناً أمام الكاميرات، بل ما يتم التفكير فيه وتدبيره خارج أسوار غرف المفاوضات المغلقة.





שתף את דעתך
مفاوضات إسلام آباد: صراع الإرادات بين واشنطن وطهران على طاولة الوساطة الباكستانية