سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على التحديات الوجودية التي تواجه نموذج التنمية في دول الخليج العربي، وذلك في أعقاب التصعيد العسكري الذي قاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران. وأشار المحلل ستيفن كوك في مقال نشرته مجلة 'فورين بوليسي' إلى أن العمليات العسكرية التي نُفذت دون دراسة كافية لمآلاتها، وضعت استقرار المنطقة واقتصاداتها الناشئة في دائرة الخطر المباشر.
واعتبر كوك أن مدن الخليج التي كانت تُصنف كاهتمامات جانبية للباحثين في الأنساب والقبائل، تحولت خلال العقد الماضي إلى مراكز ثقل عالمية تنافس العواصم التاريخية مثل القاهرة ودمشق. وأوضح أن السعودية والإمارات وقطر بذلت جهوداً جبارة لإعادة بناء مجتمعاتها واقتصاداتها، مما خلق نموذجاً تنموياً فريداً يعتمد بشكل أساسي على جذب الاستثمارات والكفاءات العالمية.
إلا أن هذا النموذج الذي يطمح لتحويل دبي وأبوظبي والدوحة والرياض إلى مراكز للتكنولوجيا المتقدمة والخدمات اللوجستية، بات اليوم مهدداً بفعل المواجهة المباشرة مع طهران. وترى مصادر تحليلية أن الحرب الأخيرة أثارت تساؤلات جدية حول قدرة هذه الدول على حماية منجزاتها العمرانية والاقتصادية في ظل اختلال موازين الردع الإقليمي.
وبحسب القراءة التحليلية، فإن المناورات الدبلوماسية الحالية قد تفضي إلى خروج الإيرانيين بنفوذ غير مسبوق في مضيق هرمز، وهو الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية. هذا النفوذ سيعزز من قدرة طهران على تهديد جيرانها بالصواريخ والطائرات المسيرة، مما يضعف الركيزة الأساسية للتنمية الخليجية وهي الأمن الإقليمي المستدام.
وعلى الرغم من الاستقرار السياسي الداخلي الذي تتمتع به دول الخليج تحت قياداتها الحالية، إلا أن الاعتماد على القواعد العسكرية الأمريكية لم يعد كافياً لكبح التوترات. فقد أظهرت الأحداث التي تلت حرب غزة في أكتوبر 2023 أن دول الخليج حاولت النأي بنفسها عن الصراعات الإقليمية لمواصلة مساراتها التنموية، لكنها وجدت نفسها في قلب العاصفة لاحقاً.
وتشير المصادر إلى أن دول الخليج استمرت في ضخ مليارات الدولارات في مشاريع ضخمة واستقطاب شركات التكنولوجيا الكبرى حتى في أوج الصراع الإسرائيلي في غزة ولبنان. وكان الرهان الخليجي قائماً على أن هذه الصراعات لن تعرقل خطط التحول الاقتصادي، وهو ما بدا ناجحاً إلى حد كبير حتى اندلاع المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.
وفي يونيو 2025، ومع بدء الهجمات المتبادلة، تعرضت قاعدة العديد الجوية في قطر لضربات إيرانية، ورغم محدودية الأضرار المادية، إلا أن الرسالة السياسية كانت واضحة. فقد أدركت السعودية والإمارات وقطر أن قدرات إيران ونواياها تتجاوز تقديرات الإدارة الأمريكية، مما دفع قادة المنطقة لتوضيح موقفهم الرافض للانخراط في أي مخططات هجومية.
النموذج التنموي الخليجي الذي يرتكز على الاستقرار السياسي والأمن الإقليمي بات يواجه تساؤلات وجودية بعد أن تحولت مدن التكنولوجيا والطاقة إلى أهداف للصواريخ الإيرانية.
ومع ذلك، لم يمنع هذا الموقف الحيادي انتقال شرارة الحرب إلى قلب الخليج خلال الأسابيع الماضية، حيث تعرضت البنية التحتية للطاقة وقطاع التكنولوجيا في الإمارات لهجمات مكثفة. وأفادت تقارير بأن الحرس الثوري الإيراني استهدف مراكز بيانات في البحرين ومنشآت نفطية في الكويت، وصولاً إلى منشأة رأس لفان القطرية الحيوية.
لقد أطلق الإيرانيون آلاف الصواريخ والمسيرات التي استهدفت مصافي النفط وخطوط الأنابيب السعودية، مما أحدث صدمة في أوساط المستثمرين الدوليين. هذه الهجمات الممنهجة لم تكن مجرد رد فعل عسكري، بل بدت كخطة استراتيجية لتهديد الشرايين الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية.
وفيما يتعلق بجهود وقف إطلاق النار، يرى كوك أن خطة السلام الإيرانية التي تتفاوض بشأنها واشنطن تحمل نذير شؤم لدول المنطقة. فالمطالب الإيرانية بالسيطرة على مضيق هرمز وربط المرور الآمن بالتنسيق مع قواتها المسلحة، يعني عملياً فرض نظام 'خوات' أو رسوم مالية قد تُدفع حتى بالعملات الرقمية.
ويرى مراقبون أن انفتاح ترامب على دراسة هذه المطالب الإيرانية يمثل تراجعاً خطيراً عن التزامات حماية حرية الملاحة الدولية. وإذا ما ترسخ هذا الواقع، ستجد دول الخليج نفسها مضطرة للاعتماد على 'حسن نية' طهران، أو دفع مبالغ طائلة لدولة كانت تقصف مدنها ومنشآتها قبل أسابيع قليلة.
إن تضرر الصورة النمطية للخليج كواحة للأمن والأعمال يمثل الخسارة الأكبر في هذه المواجهة، حيث بات المستثمر يخشى من هشاشة الاستقرار أمام المسيرات الانتحارية. وهذا الواقع الجديد يفرض على قادة الرياض وأبوظبي والدوحة إعادة النظر في أولوياتهم الوطنية وتخصيص ميزانيات ضخمة لتعزيز الدفاعات الجوية وحماية المدن.
وقد يلجأ القادة الخليجيون مجدداً إلى سياسة 'التحوط' عبر تعزيز العلاقات مع بكين، بحثاً عن توازن مفقود في ظل التخبط الأمريكي في المنطقة. فالتوجه نحو الصين للحصول على أسلحة متطورة أو ضمانات سياسية أصبح خياراً مطروحاً بقوة لمواجهة التداعيات طويلة الأمد للتهور الأمريكي تجاه الملف الإيراني.
في الختام، يبدو أن التعافي من آثار هذه الجولة من الصراع سيستغرق وقتاً طويلاً، ولن يكون مجرد مسألة إصلاح منشآت نفطية متضررة. إن التحدي الحقيقي يكمن في استعادة الثقة الدولية بالنموذج التنموي الخليجي، وإثبات قدرته على الصمود في بيئة إقليمية باتت أكثر عدائية وتعقيداً من أي وقت مضى.





שתף את דעתך
فورين بوليسي: مغامرات ترامب العسكرية تضع 'النموذج الخليجي' في مهب الريح أمام التهديدات الإيرانية