تبدو كلمة 'الهزيمة' اليوم أقرب إلى التوصيف الواقعي لما تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية في ظل استمرار الحرب الحالية، حيث بدأت ملامح فقدان الهيبة الدولية تظهر بوضوح مع دخول الصراع شهره الثاني. وتكشف التصريحات الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض حالة من المأزق السياسي، إذ يرى مراقبون أن الانخراط الأمريكي الواسع لم يكن ضرورة استراتيجية للمصالح القومية بقدر ما كان استجابة لضغوط داخلية.
ويلعب اللوبي الصهيوني وتيارات المسيحية الصهيونية دوراً محورياً في توجيه بوصلة الإدارة الأمريكية الحالية، مستخدمين أدوات الضغط المالي والإعلامي والابتزاز السياسي. وقد كشفت أحداث ما بعد السابع من أكتوبر تغلغل هذه القوى في مفاصل القرار، مما دفع واشنطن إلى تبني روايات أثبتت الوقائع زيفها، وهو ما يضع الأمة الأمريكية أمام مراجعة داخلية عميقة لهويتها ودورها العالمي.
تاريخياً، كانت الولايات المتحدة تبدي تحفظاً تجاه الهجرة اليهودية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن التحولات الكبرى في موازين القوى عام 1945 مكنت الجماعات اليهودية من تعزيز مراكزها. هذا الصعود لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة فهم دقيق للمتغيرات الدولية، وهو ما يذكرنا بما كتبه الأديب الروسي ديستوفيسكي في مقالته الشهيرة 'المسألة اليهودية' حول المساعي الخفية للتأثير في المجتمعات.
وفي الجانب الآخر من الأطلسي، يظهر الموقف الأوروبي، لا سيما في فرنسا وإسبانيا، تبايناً جوهرياً مع الرؤية الأمريكية تجاه إسرائيل. فأوروبا التاريخية تنظر إلى الكيان كحاجز جغرافي أو وسيلة لتصريف المسألة اليهودية بعيداً عن القارة، بينما تذهب واشنطن بعيداً في تبني المشروع الصهيوني كجزء عضوي من استراتيجيتها الكونية، مما خلق فجوة في المصالح بين الحلفاء.
وتشير القراءات السياسية إلى أن دولاً أوروبية عديدة تتمنى في خفاياها خروج الولايات المتحدة 'منكسرة' من هذه المواجهة لإعادة توازن القوى داخل القارة العجوز. هذا الطموح لا يقتصر على أوروبا فحسب، بل يمتد ليشمل القوى العظمى الصاعدة مثل الصين وروسيا، اللتين تراقبان المشهد عن كثب وتتحينان الفرص لتقليص النفوذ الأمريكي المنفرد بالعالم.
ميدانياً، أثار إسقاط طائرات أمريكية تساؤلات حول دخول تقنيات دفاع جوي متطورة إلى ساحة الصراع، مما قد يشير إلى دعم تقني غير معلن من قوى دولية. هذه التطورات النوعية في القدرات العسكرية الإيرانية، وصمودها أمام التهديدات، فرضت واقعاً جديداً دفع الأطراف الدولية للبحث عن مسارات تفاوضية ووقف مؤقت لإطلاق النار لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وتحاول الآلة الدعائية الأمريكية تضخيم عمليات عسكرية محدودة، مثل إنقاذ طيارين، لتغطية الفشل في تحقيق أهداف استراتيجية كبرى خلال الحرب. إلا أن الوعي الشعبي العالمي أصبح أكثر قدرة على كشف هذه الألاعيب الإعلامية، حيث لم تعد المهرجانات الخطابية قادرة على إخفاء حقيقة التعثر الميداني وغياب الإنجازات الملموسة على الأرض.
إن 'غطرسة القوة' التي تمارسها الولايات المتحدة قد تتحول إلى حفرة عميقة تسقط فيها هيمنتها العالمية.
العالم العربي، وشعوبه على وجه الخصوص، يراقبون هذا الانكسار الأمريكي بكثير من الترقب، مستحضرين آلام غزو العراق عام 2003 وما سبقه من نكسات. إن الصمود في وجه الغطرسة الأمريكية يعيد فتح ملفات الأمن القومي العربي التي تعرضت للاهتزاز، خاصة بعد الطريقة المهينة التي كان يتعامل بها قادة أمريكيون سابقون مع دول المنطقة وثرواتها.
لقد أثبتت الأحداث أن القدرة على التحكم في ملفات حيوية مثل الطاقة، والوقوف بصلابة أمام التهديدات العسكرية، يمكن أن يكسر حاجز الخوف لدى الدول الأخرى. إن سياسة 'لا' التي بدأت تتردد في أروقة السياسة الدولية تعكس ضيقاً عالمياً بـ 'الغطرسة الشيطانية' التي تمارسها واشنطن اعتماداً على قوتها المادية فقط، دون اعتبار للقيم الإنسانية أو القانون الدولي.
إن النظام العربي الرسمي يجد نفسه اليوم مضطراً لمناقشة مفهوم الأمن القومي بعيداً عن المظلة الأمريكية التي أثبتت انحيازها الكامل. فالتخوفات من أن تمتد شرارة الصراع لتطال دولاً أخرى في المنطقة تفرض ضرورة بناء استراتيجيات دفاعية وسياسية مستقلة، تعتمد على الذات وتحمي المقدرات الوطنية من الابتزاز الخارجي المستمر.
المفارقة الكبيرة اليوم تكمن في الاتساع المستمر للفجوة بين وعي الشعوب وممارسات الساسة، وهو ما ينذر بحدث تاريخي كبير قد يغير وجه المنطقة. هذا الوعي المتنامي هو الثمرة الحقيقية للصمود الشعبي في غزة وفلسطين، والذي أعاد ترتيب الأولويات العالمية وأظهر حقيقة القوى التي تدعي حماية الديمقراطية بينما تمارس أبشع أنواع القمع.
روسيا والصين، بصفتهما القطبين المنافسين، يدركان تماماً أن انكسار الهيبة الأمريكية في الشرق الأوسط يعني بالضرورة تسريع ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب. ورغم الحذر في التصريحات الرسمية، إلا أن التحركات الجيوسياسية تشير إلى دعم ضمني لكل ما من شأنه استنزاف القدرات الأمريكية وإشغالها في صراعات إقليمية طويلة الأمد تضعف قبضتها العالمية.
وفي الختام، فإن 'غطرسة القوة' التي ميزت السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، تبدو اليوم وكأنها تحفر الحفرة التي ستسقط فيها هذه الهيمنة. إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات التي تعتمد على القهر العسكري وتتجاهل حقوق الشعوب تنتهي دائماً إلى الانحسار، وما نراه اليوم قد يكون البداية الفعلية لنهاية العصر الأمريكي المتفرد.
إن انتظار 'الظرف التاريخي' الذي سيغير الموازين لم يعد مجرد أمنيات، بل أصبح واقعاً يتشكل من خلال صمود القوى الرافضة للهيمنة وتآكل التحالفات التقليدية. وستبقى أحداث هذه الحرب علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث سيسجل التاريخ كيف تحولت غطرسة القوة إلى عامل ضعف أدى في النهاية إلى تراجع القطب الواحد أمام إرادة الشعوب.





שתף את דעתך
تآكل الهيبة الأمريكية: هل يجمع العالم على الرغبة في انكسار واشنطن؟