يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه في موقف معقد، حيث يسعى جاهداً لتسويق نتائج العمليات العسكرية الأخيرة كإنجازات تاريخية، إلا أنه يصطدم بغياب 'صورة النصر' الحاسمة التي اعتاد تقديمها لجمهوره. ورغم رغبته في استثمار التقارب مع الإدارة الأمريكية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، إلا أن الواقع الميداني يفرض إيقاعاً مختلفاً يتسم بالضبابية وعدم اليقين.
وتشير القراءات السياسية إلى أن نتنياهو كان يطمح لالتقاط صور تذكارية تعكس تفوقاً استراتيجياً مطلقاً، مثل السيطرة على منشآت نووية أو تحييد كامل للقدرات الصاروخية الإيرانية. لكن غياب هذه المشاهد جعل من الصعب على حزب الليكود استعادة زخمه الكامل في استطلاعات الرأي، حيث أظهرت البيانات الأخيرة تراجعاً طفيفاً في عدد المقاعد المتوقعة مقارنة بفترات سابقة.
في المقابل، تبدو القاعدة الشعبية لنتنياهو صلبة بشكل يثير الدهشة، إذ تشير الإحصاءات إلى أن الغالبية العظمى من مؤيدي الائتلاف الحكومي لا يزالون يثقون في إدارته للأزمات الأمنية. هذا الرضا الداخلي يمنح رئيس الوزراء هامشاً للمناورة رغم الانتقادات الحادة التي توجهها أطراف دولية ومحلية لنتائج الحرب التي لم تحقق كافة أهدافها المعلنة.
وعلى صعيد اليمين المتطرف، يبرز صمت لافت من قبل وزراء مثل إيتمار بن غفير، الذين كانوا في السابق يهددون بتفكيك الحكومة عند أي تراجع عسكري. هذا الصمت المطبق إزاء اتفاقات وقف إطلاق النار أو عدم تحقيق 'النصر المطلق' يثير تساؤلات حول التفاهمات الداخلية التي تضمن بقاء الائتلاف متماسكاً رغم الإخفاقات الاستراتيجية.
أما في الشارع الإسرائيلي، فإن حالة من الارتباك تسود حول هوية المنتصر في هذه الجولات المتكررة، حيث أفادت مصادر إعلامية بأن قرابة نصف المستطلعين يرون أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على النتائج. وتعكس هذه الأرقام فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي الحكومي وبين شعور المستوطنين في الشمال الذين لا يزالون يعانون من تبعات النزوح وعدم الاستقرار.
المعارضة الإسرائيلية، بقيادة يائير لابيد، حاولت استغلال هذا الفراغ عبر توجيه انتقادات لاذعة، وصفت فيها النتائج الحالية بأنها الأسوأ استراتيجياً منذ عقود. ومع ذلك، يرى مراقبون أن المعارضة لا تزال عاجزة عن تقديم بديل مقنع أو حشد الشارع بشكل يؤدي إلى تغيير سياسي حقيقي، مما يبقي نتنياهو في موقع القوة رغم تآكل صورته.
ويظهر قادة آخرون في المعارضة، مثل بيني غانتس، مواقف أكثر حذراً وهدوءاً، ربما انتظاراً لفرصة الانضمام إلى حكومة طوارئ أو تشكيل تحالفات جديدة في حال تأزم الموقف. هذا التباين في أداء المعارضة يشتت الجهود الرامية للضغط على الحكومة، ويمنح نتنياهو وقتاً إضافياً لترتيب أوراقه الداخلية بعيداً عن ضغوط الانتخابات المبكرة.
المشكلة تكمن في افتقار نتنياهو لصورة النصر؛ ولو كان لديه ما يلوّح به، لاحتفل بوقف إطلاق النار بالرسوم البيانية والألعاب النارية.
وتبرز قضية 'قانون التجنيد' كواحدة من الألغام السياسية التي قد تفجر الوضع الداخلي في أي لحظة، حيث تسعى المعارضة لتركيز هجومها على هذا الملف الحساس. ويرى محللون أن التركيز على القضايا المدنية والاجتماعية قد يكون أكثر جدوى للمعارضة من انتقاد النتائج العسكرية التي يتفق الكثيرون على تعقيدها وصعوبة حسمها.
من الناحية العسكرية، لا يمكن إنكار أن إسرائيل ألحقت أضراراً جسيمة بالقدرات التسليحية لخصومها، إلا أن بقاء التهديدات الصاروخية والنووية قائمة يجعل من أي حديث عن 'نصر نهائي' أمراً مشكوكاً فيه. هذا الواقع يضع نتنياهو في مواجهة دائمة مع تساؤلات الجمهور حول الجدوى من استمرار العمليات دون الوصول إلى حسم يغير الواقع الجيوسياسي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن نتنياهو لا يملك أي حافز لتقديم موعد الانتخابات، طالما أن المعارضة لا تملك 'صورة فشل' واضحة تستطيع من خلالها إسقاطه. فهو يراهن على عامل الوقت وعلى قدرته على إدارة التناقضات داخل ائتلافه، مستفيداً من حالة عدم اليقين التي تسيطر على المنطقة بأكملها.
سكان مناطق الشمال والجنوب يمثلون الحلقة الأضعف في هذا الصراع السياسي، حيث تنهار أعمالهم وتتأثر حياتهم اليومية بشكل مباشر دون وجود أفق زمني واضح للحل. هؤلاء يمثلون 'القلب' الذي تحدث عنه بعض القادة السياسيين كحاجة ماسة للقيادة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.
إن غياب المفاوضات المباشرة بين القوى الكبرى والأطراف الإقليمية يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الصعب التنبؤ بنهاية قريبة لهذه الحالة من 'اللاحرب واللاسلم'. وفي هذا الفراغ، يستمر نتنياهو في ممارسة هوايته السياسية المفضلة وهي البقاء في السلطة عبر إدارة الأزمات بدلاً من حلها، معتمداً على تشتت خصومه.
ختاماً، تظل 'صورة النصر' هي العملة المفقودة في السياسة الإسرائيلية الحالية، وهي الصورة التي يحتاجها نتنياهو لترميم شعبيته، وتحتاجها المعارضة لإثبات فشله. وبين هذا وذاك، يبقى المجتمع الإسرائيلي رهينة لقرارات سياسية محكومة بحسابات البقاء الشخصي والائتلافي، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية.
إن المرحلة المقبلة ستشهد محاولات حثيثة من كافة الأطراف لإعادة صياغة الرواية حول ما جرى في الحرب، حيث سيسعى كل طرف لفرض رؤيته على الناخب الإسرائيلي. وسيكون لملفات مثل التجنيد والوضع الاقتصادي لجنود الاحتياط دور حاسم في تحديد ملامح الخارطة السياسية القادمة، بعيداً عن دوي الانفجارات وصور الصواريخ.





שתף את דעתך
مأزق 'صورة النصر': كيف تعيد الحرب صياغة الخارطة السياسية في إسرائيل؟