تتكشف في لحظات الهدوء الهش التي تعقب ضجيج الحروب معانٍ أعمق من مجرد وقف إطلاق النار أو إعادة تموضع القوى العسكرية. فالتهدئة الجارية في الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءتها بوصفها نهاية حتمية، بل هي طور من أطوار متكررة تتداخل فيها الإرادات السياسية بالمحددات التاريخية.
إن هذه الحالة من السكون، على هشاشتها، تعكس منطقاً قديماً في إدارة النزاعات الدولية، حيث لا يكون الهدوء إلا استراحة محارب لإعادة ترتيب الأوراق. وتتقاطع في هذا المشهد الحسابات القانونية مع الإيحاءات الرمزية، مما يجعل من أي اتفاق مجرد إعادة تموضع لموازين القوة في المنطقة الملتهبة.
يبقى القانون الدولي، رغم ما يحمله من قواعد ناظمة، رهينة للإرادة السياسية للدول الكبرى التي تتعامل معه بانتقائية واضحة ومكشوفة. فهي تفعّل نصوصه حين تخدم مصالحها الاستراتيجية، وتعطله تماماً حين يتعارض مع مشاريعها التوسعية أو أهدافها الأمنية في الشرق الأوسط.
يطرح المشهد الحالي إشكاليات عميقة حول مفهوم الشرعية الدولية في ظل الاختلال الواضح في موازين القوة العالمية. فالتساؤلات تظل معلقة حول جواز استخدام القوة العسكرية تحت ذرائع وقائية دون تفويض دولي، مما يكشف عن أزمة بنيوية يغيب فيها العدل ويحل محله منطق الغلبة.
لا تكتمل قراءة المشهد دون استحضار البعد التاريخي، فالصراع الحالي ليس وليد الصدفة بل هو امتداد لتراكمات طويلة من التوترات الإقليمية. وقد أثبتت التجارب السابقة أن التهدئات المؤقتة غالباً ما تكون مقدمة لجولات أكثر حدة إذا لم تُعالج الأسباب الجذرية للنزاع.
يبرز البعد الديني والسنني كعنصر مؤثر في تشكيل الوعي الجمعي وفهم التحولات الكبرى التي تمر بها الأمم. ومن خلال استحضار النماذج التاريخية، يتضح أن سنن التداول تقتضي ألا تدوم الغلبة لجهة واحدة، وأن موازين القوة في تغير مستمر ولا تستقر على حال.
إن الإشارات التاريخية والسننية تؤكد أن الهزيمة ليست نهاية المطاف، كما أن النصر ليس حالة أبدية تدوم للأقوى عسكرياً. وهذا المعنى ينسحب بوضوح على واقعنا المعاصر، حيث تتغير التحالفات وتتبدل القوى، ويصبح المستحيل ممكناً في لحظات تاريخية فارقة.
إن الهزيمة ليست نهاية المطاف، كما أن النصر ليس حالة أبدية، والتاريخ حركة دائمة لا تعرف السكون.
من منظور إنساني، فإن أخطر ما تخلفه هذه الصراعات هو الندوب النفسية العميقة في وجدان الشعوب التي تعيش تحت وطأة الحروب. فالعنف يعيد إنتاج نفسه بصور مختلفة ما لم تكن هناك مصالحة حقيقية مبنية على أسس من العدالة الشاملة والمستدامة.
يحتاج العالم اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم القوة بحيث لا يُختزل فقط في القدرة العسكرية الفتاكة والسيطرة الميدانية. فالقوة الحقيقية تكمن في القدرة على تحقيق السلام العادل وبناء نظام دولي يحترم الكرامة الإنسانية ويصون حقوق الشعوب الضعيفة.
تعكس التهدئة الحالية حالة من التوازن القلق، حيث لا يوجد غالب أو مغلوب بشكل نهائي في هذه المرحلة من الصراع. وبدلاً من ذلك، نحن أمام صراع مفتوح على احتمالات متعددة تتشكل بين أروقة القانون ودهاليز السياسة وتاريخ المنطقة الطويل.
يجب التوقف عن استدعاء الثنائيات التقليدية مثل صراع الفرس والروم، لأن هذه المقاربات الرمزية قد تحجب الحقيقة المأساوية على الأرض. فساحات الصراع ليست مجرد خرائط للنفوذ، بل هي أوطان مأهولة تدفع أثماناً باهظة من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها.
تعتبر المجتمعات العربية، خاصة في فلسطين ولبنان، هي الخاسر الأكبر في معادلات التوازن الدولي المعقدة. فهذه الشعوب هي التي تُستنزف مواردها وتُرهق مجتمعاتها تحت وطأة صراعات كبرى لا تملك في الغالب قرارها الكامل أو التحكم في مساراتها.
إن الظلم، مهما تجمّل بشعارات الأمن أو تذرّع بمقتضيات السيادة الوطنية، لا يمكنه أبداً أن يصنع استقراراً حقيقياً أو سلاماً دائماً. فالتاريخ يؤكد أن ما يُؤخذ بالقوة يبقى مهدداً بالزوال، وأن اختلال الموازين قد يطول أمده لكنه لا يدوم للأبد.
في الختام، يبقى السلام الحقيقي بعيد المنال ما لم تتوفر إرادة صادقة تعيد للإنسان مكانته في قلب المعادلة السياسية. فالهدن المؤقتة هي مجرد مسكنات لآلام عميقة، بينما الحل يكمن في العدل الذي هو أساس الملك والضمانة الوحيدة لاستقرار الشعوب.





שתף את דעתך
صراع الشرق الملتهب: قراءة في سنن التداول ومنطق الغلبة بين القوى الكبرى