تشهد العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة مفاوضات حاسمة بين طهران وواشنطن، في محاولة أخيرة لنزع فتيل الانفجار الشامل في المنطقة. تأتي هذه المحادثات برئاسة نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس ومحمد باقر قاليباف، في وقت تعاني فيه إيران من تداعيات عسكرية واقتصادية قاسية أضعفت موقفها التفاوضي بشكل غير مسبوق.
لقد شكل عام 2025 نقطة تحول دراماتيكية، حيث فقدت إيران معظم قدراتها الردعية بعد تدمير أنظمة دفاعها الجوي وضرب منشآتها النووية. هذا الانكشاف الاستراتيجي جعل العمق الإيراني متاحاً للمقاتلات الإسرائيلية، مما غير معادلة الصراع التي استمرت لعقود منذ الثورة الإيرانية عام 1979، ووضع القيادة الإيرانية أمام خيارات أحلاها مر.
تشير التقارير إلى أن الهدنة الحالية التي تنتهي في 22 نيسان الجاري، تمثل نافذة زمنية ضيقة جداً للتوصل إلى اتفاق مستدام. وتسعى الأطراف الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار، رغم الشكوك المحيطة بقدرة الدبلوماسية على تجاوز آثار 'حرب الـ12 يوماً' التي دمرت البنية التحتية العسكرية الإيرانية بشكل ممنهج.
كانت التقديرات الأمريكية تشير سابقاً إلى أن إيران ستضطر للتفاوض على اتفاق ثنائي يضمن تفكيك الميليشيات وفتح قطاع الطاقة أمام الشركات العالمية. ومع ذلك، فإن الحسابات الإيرانية الداخلية، التي كانت تراهن على عامل الوقت واحتواء الإدارات الأمريكية المتعاقبة، أدت في النهاية إلى مواجهة عسكرية مباشرة لم تكن طهران مستعدة لها.
لقد تسبب رفض طهران للمبادرات الإقليمية السابقة، ومنها الوساطة التركية، في تفاقم الأزمة ووصولها إلى مرحلة الصدام المسلح. واليوم، يجد المفاوض الإيراني نفسه في إسلام آباد مجرداً من الكثير من أوراق القوة التي كان يناور بها، خاصة بعد اغتيال شخصيات قيادية وتدمير المواقع النووية الرئيسية في حزيران 2025.
في المقابل، تواصل إسرائيل ممارسة ضغوط مكثفة على الإدارة الأمريكية لضمان عدم تقديم أي تنازلات قد تسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها. وترى مصادر مطلعة أن تل أبيب تخوض حالياً حرباً 'قليلة التكلفة عالية العوائد'، وتعتمد على الغطاء الأمريكي لضمان استمرار تفوقها العسكري المطلق في المنطقة.
المفاوضات الحالية تتناول ملفات شائكة تشمل حق التخصيب المحدود مقابل رقابة صارمة، ورفع العقوبات الأممية التي أعيد فرضها بطلب أوروبي. لكن العقبة الكبرى تكمن في انعدام الثقة المتبادل، وتاريخ طويل من القطيعة الرسمية التي بدأت منذ أزمة الرهائن الشهيرة قبل نحو نصف قرن.
إيران تذهب اليوم إلى المفاوضات بأوراق أقل بكثير مما كانت تمتلكه قبل الحرب، والجانب الإسرائيلي حاضر دوماً لتخريب أي اتفاق لا يحقق مصالحه.
تؤكد مصادر دبلوماسية أن الجانب الإيراني كان يعتقد أن الحشود العسكرية الأمريكية هي مجرد مناورات للضغط السياسي، وهو ما ثبت خطؤه عند اندلاع العمليات العسكرية. هذا الفشل في التقدير الاستراتيجي أدى إلى خسارة إيران لنفوذها الإقليمي في العراق وسوريا، حيث بدأت الميليشيات الموالية لها تفقد سيطرتها تدريجياً.
إن السيناريو المطروح حالياً في إسلام آباد يتأرجح بين تمديد الهدنة بشكل دوري أو العودة إلى مربع التصعيد العسكري الشامل. ولا يبدو أن واشنطن أو طهران ترغبان في مزيد من الانزلاق نحو الحرب، إلا أن الدور الإسرائيلي يظل المتغير الأكثر خطورة وقدرة على إفشال أي تفاهمات لا تتماشى مع رؤيته الأمنية.
تتضمن المطالب الأمريكية المقترحة حلاً شاملاً للميليشيات الإيرانية في المنطقة وتطبيع العلاقات مع الجيران العرب والأتراك لتأمين عمق إقليمي جديد. هذا التحول الجذري في السياسة الخارجية الإيرانية هو الثمن الذي قد تضطر طهران لدفعه مقابل ضمان بقاء النظام وتجنب ضربة قاضية لمنشآتها الحيوية المتبقية.
على الصعيد الاقتصادي، تعاني إيران من حصار خانق بعد إعادة تفعيل 'سناب باك' العقوبات الأممية، مما جعل اقتصادها على حافة الانهيار. وتأمل القيادة الحالية في أن يؤدي الانفتاح على الشركات الأمريكية في قطاع الطاقة إلى إنعاش الميزانية، لكن هذا يتطلب تنازلات سيادية مؤلمة لم تكن مقبولة في السابق.
المراقبون يرون أن فترة الأسبوعين المتبقية من الهدنة لن تكون كافية لمعالجة ملفات معقدة تراكمت على مدار عقود. ومع ذلك، فإن مجرد جلوس الوفود رفيعة المستوى على طاولة واحدة يعكس حجم الأزمة التي يواجهها الطرفان، ورغبتهما في تجنب حرب استنزاف طويلة الأمد لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
يبقى التساؤل القائم حول مدى قدرة المفاوضين الإيرانيين على إقناع مراكز القوى في الداخل بضرورة القبول بـ 'تجرع السم' السياسي. فالتغييرات التي طرأت على هيكلية السلطة بعد أحداث 2025 فرضت واقعاً جديداً يتطلب مرونة لم تكن معهودة في الخطاب الثوري الإيراني التقليدي.
في الختام، فإن ما ستسفر عنه محادثات إسلام آباد سيحدد شكل الشرق الأوسط للسنوات العشر القادمة على الأقل. فإما أن نشهد ولادة نظام إقليمي جديد يدمج إيران بشروط دولية، أو ننتظر جولة جديدة من الصراع قد تؤدي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة بشكل كامل.





שתף את דעתך
مفاوضات إسلام آباد: فرصة إيران الأخيرة لتجنب الانهيار الشامل أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية