هذا الجيل ليس جيلاً رقمياً فقط بل جيلٌ تشكّل وعيه في بيئة مركّبة تتقاطع فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية مع التحول الرقمي المتسارع، هو جيل يتعلم عبر الشاشة بينما يحيط به واقع غير مستقر، يفتح محاضرته الجامعية في ظل انقطاع متكرر للكهرباء أو ضعف الإنترنت، ويتنقل بين منصات التعلم وهو يدرك أن مستقبله المهني مرهون بقدرته على التكيّف أكثر من أي وقت مضى.
في الضفة الغربية تحديدًا، التعليم الإلكتروني لم يكن خيارًا استراتيجياً بقدر ما كان استجابة اضطرارية لظروف مركبة بدأت مع الجائحة ثم تعمّقت مع التوترات الأمنية والاقتصادية، ومع موجات الغلاء المتلاحقة التي أثرت على كل تفاصيل الحياة اليومية من المواصلات إلى الغذاء، أصبح الوصول إلى التعليم نفسه تحديًا ماليًا، حيث تتحول تكلفة الإنترنت والأجهزة إلى عبء إضافي على الأسرة، ما يخلق فجوة واضحة بين من يستطيع الاستمرار ومن يُجبر على التراجع
هذا الجيل يعيش حالة "تعلم تحت الضغط"، حيث لا ينفصل التحصيل الأكاديمي عن القلق العام، الطالب لا يدرس فقط ليجتاز الامتحان بل يدرس وهو يحمل تساؤلات وجودية حول العمل والدخل والاستقرار، ومع كل أزمة اقتصادية أو تصعيد أمني تتغير أولوياته، فيتحول التعليم من مسار معرفي إلى أداة للبقاء ومحاولة خلق فرصة في سوق غير مستقر.
في المقابل، الذكاء الاصطناعي لم يدخل كأداة رفاهية بل كعامل إعادة تشكيل جذري لطريقة التعلم، هذا الجيل لا يعتمد على المعلم كمصدر وحيد للمعرفة بل أصبح يتعامل مع مصادر متعددة، يختصر الوقت، يحلل، يكتب، ويبحث بشكل مختلف، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديًا أخلاقيًا ومعرفيًا يتعلق بكيفية الاستخدام، هل هو استخدام للتطوير أم للاعتماد الكامل، هل يبني مهارة أم يخلق هشاشة معرفية.
التحدي الأكبر هنا ليس في توفر التكنولوجيا بل في القدرة على توظيفها ضمن سياق معقّد، فطالب يعيش في بيئة اقتصادية ضاغطة قد يرى في الذكاء الاصطناعي وسيلة لتسريع الإنجاز دون بناء حقيقي للمهارات، بينما طالب آخر قد يحوّله إلى أداة إنتاجية تعزز فرصه في سوق العمل الرقمي، وهنا يظهر الفارق بين من يتعلم "كيف يستخدم الأداة" ومن يتعلم "كيف يفكر من خلالها".
الواقع الاقتصادي بعد موجات الغلاء الأخيرة فرض على هذا الجيل عقلية مختلفة، لم يعد الهدف فقط الحصول على شهادة بل البحث عن مهارة قابلة للدخل، لذلك نلاحظ توجهًا متزايدًا نحو مجالات مثل التسويق الرقمي، التجارة الإلكترونية، والعمل الحر، وهذا التحول ليس ترفًا بل ضرورة فرضها واقع محدود الفرص التقليدية، ومع هذا التحول يتغير شكل التعليم نفسه ليصبح أقرب إلى التطبيق والنتائج وليس فقط المعرفة النظرية.
أمنيًا وسياسيًا، يعيش هذا الجيل حالة عدم يقين مستمرة، ما يؤثر بشكل مباشر على استقراره النفسي وقدرته على التركيز، ومع ذلك يظهر نوع جديد من المرونة، مرونة قائمة على التكيف السريع، القدرة على التعلم الذاتي، وإعادة ترتيب الأولويات باستمرار، وهذا ما يجعل هذا الجيل مختلفًا عن الأجيال السابقة، ليس لأنه يمتلك أدوات أكثر فقط بل لأنه اضطر لتطوير عقلية بقاء وتكيّف في آن واحد.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في فجوة التوجيه، حيث يتعلم هذا الجيل بسرعة لكنه أحيانًا بدون إطار واضح يقوده، ومع غياب سياسات تعليمية متطورة تواكب هذا التحول، يصبح الاعتماد على الجهد الفردي هو العامل الحاسم، ما يزيد من التفاوت بين الأفراد ويخلق طبقة صغيرة قادرة على الاستفادة من التحول الرقمي مقابل شريحة أوسع تعاني من التشتت.
هذا الجيل ليس ضحية فقط بل هو فرصة أيضًا، فرصة لإعادة تعريف التعليم في سياق فلسطيني وعربي أكثر واقعية، تعليم يربط بين المعرفة والسوق، بين التكنولوجيا والهوية، بين المهارة والدخل، ويتطلب ذلك إعادة بناء المناهج، دعم البنية التحتية الرقمية، وتوجيه استخدام الذكاء الاصطناعي نحو الإنتاج وليس الاستهلاك.
في النهاية، نحن أمام جيل لا يمكن تقييمه بمعايير تقليدية، جيل يتعلم في بيئة غير تقليدية، ويحتاج إلى أدوات غير تقليدية، وإذا لم يتم استيعاب هذا التحول بوعي واستراتيجية، فإن الفجوة ستتسع بين من يملك القدرة على التكيّف ومن يظل عالقًا في نموذج تعليمي لم يعد موجودًا على أرض الواقع.
الرهان اليوم ليس على التعليم الإلكتروني بحد ذاته بل على "كيفية تحويله إلى قيمة اقتصادية حقيقية"، من خلال ربط التعلم المباشر بمهارات قابلة للت monetization مثل الإعلانات الرقمية، إدارة الحملات، وصناعة المحتوى، لأن هذا الجيل لن ينتظر الوظيفة بل سيصنع دخله بنفسه.
* باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي





שתף את דעתך
جيل يتعلم تحت النار: كيف يُعاد تشكيل الوعي والتعليم بالضفة بين الحرب والاقتصاد والذكاء الاصطناعي