انتهت الجولة الأخيرة من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران باتفاق لوقف إطلاق النار، لكن النتائج الميدانية والسياسية جاءت مخيبة لآمال القيادة الإسرائيلية. فرغم الوعود الكبيرة التي قطعها بنيامين نتنياهو وحاشيته، لم يتحقق أي من الأهداف الثلاثة الرئيسية المتمثلة في إسقاط النظام بطهران، أو تصفية البرنامج النووي، أو القضاء على ترسانة الصواريخ البالستية.
تشير المعطيات الحالية إلى أن النظام الإيراني لا يزال ممسكاً بزمام الأمور، بل ويعتبر صموده أمام آلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية نصراً استراتيجياً. وفي المقابل، لا تزال قضية الـ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب عالقة دون حل، بينما استمرت برامج الصواريخ والمسيرات في العمل رغم الضربات الجوية المكثفة.
على الصعيد الدبلوماسي، واجهت مكانة إسرائيل في واشنطن ضربة قوية قد تكون الأقسى منذ عقود، حيث تتصاعد الاتهامات لنتنياهو بمحاولة جر الولايات المتحدة إلى حرب غير ضرورية. وبدأ الشك يتسلل حتى إلى القواعد المؤيدة للرئيس ترامب، الذين باتوا يتساءلون عن الدوافع الحقيقية وراء التصعيد الإسرائيلي المستمر.
كشفت تقارير إعلامية دولية عن كواليس اجتماع حاسم في البيت الأبيض جرى في فبراير الماضي، حيث قدم نتنياهو وفريقه الأمني خطة وصفت بالمتفائلة جداً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. تضمنت الخطة وعوداً بتدمير قدرات إيران الصاروخية خلال أسبوع واحد فقط، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية دون عوائق.
المثير للجدل في تلك الاجتماعات كان طرح نتنياهو لسيناريو 'الخلافة' في إيران، حيث عرض رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، كبديل محتمل للحكم. هذه المقترحات قوبلت بسخرية مكتومة من كبار المسؤولين الأمريكيين، حيث وصف رئيس وكالة الاستخبارات المركزية تلك الأفكار بأنها 'سخيفة'، بينما اعتبرها وزير الخارجية مجرد 'هراء' لا يستند لواقع.
لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن التفوق الجوي المطلق لا يترجم بالضرورة إلى نصر سياسي حاسم، تماماً كما حدث في قطاع غزة سابقاً. ويحاول مؤيدو الحكومة الإسرائيلية حالياً تسويق وعود جديدة بقرب الحل النهائي، في محاولة لتأجيل الحساب السياسي والهروب من استحقاقات الفشل في تحقيق 'النصر الكامل'.
إيران من جهتها، نجحت في تشخيص نقطة الضعف الأمريكية المتمثلة في استقرار أسواق الطاقة العالمية، واستخدمت تهديد مضيق هرمز كورقة ضغط فعالة. وتتحدث تقارير عن إمكانية فرض طهران لرسوم عبور تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة، مما يعني اعترافاً ضمنياً بسيادتها على هذا الممر المائي الحيوي.
إن مزاعمه بتحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية لا تتلاءم مع الفخ الاستراتيجي الذي سقطت فيه، أو مع واقع حياة الإسرائيليين الذين خرجوا من الملاجئ بتشبت بأمل ضعيف.
في غضون ذلك، تظل الجبهة الشمالية مع لبنان حقل ألغام سياسي وعسكري يهدد استقرار المنطقة برمتها، رغم وقف إطلاق النار المؤقت. فقد شن سلاح الجو الإسرائيلي غارات عنيفة على مقرات حزب الله، مما أسفر عن سقوط العشرات، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة من نتنياهو لتقويض التفاهمات الأمريكية الإيرانية.
يعيش سكان الشمال الإسرائيلي حالة من عدم اليقين، حيث لا يزال الجيش ينشر خمس فرق عسكرية في عمليات برية بجنوب لبنان دون أفق واضح للانسحاب. هذا التواجد العسكري المكثف يفرض أعباءً اقتصادية واجتماعية كبيرة، ويهدد مشاريع إعادة إعمار الجليل التي توقفت تماماً بسبب المواجهات المستمرة.
تحاول الماكينة الإعلامية التابعة لنتنياهو حالياً صياغة رواية جديدة للنصر، تهدف لإقناع الجمهور الإسرائيلي بأن العملية حققت أهدافها الردعية. لكن هذه المهمة تبدو مستحيلة في ظل استمرار التهديدات الصاروخية وبقاء النظام الإيراني قوياً وقادراً على المناورة في الملف النووي.
المفاوضات المرتقبة عبر الوسيط الباكستاني ستكشف مدى هشاشة الاتفاق الحالي، خاصة مع إصرار طهران على رفع كامل العقوبات الدولية. فإيران ترى في وقف إطلاق النار فرصة لتعزيز مكانتها النووية، معتبرة أن الضغط الذي مارسته على شريان الطاقة العالمي وفر لها حصانة ضد أي هجمات مستقبلية.
لقد سقطت إسرائيل في فخ استراتيجي نتيجة الرهان على رغبات لا أساس لها وتجاهل آراء الخبراء العسكريين والسياسيين. وبدلاً من أن تصبح 'قوة إقليمية عظمى' كما وعد نتنياهو، وجدت نفسها في مواجهة استنزاف طويل الأمد على جبهات متعددة دون حسم حقيقي.
ترامب، الذي لا يحب الخسارة، قد يبدأ قريباً بالبحث عن كبش فداء لتحميله مسؤولية تعثر الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وهو ما يثير قلقاً كبيراً في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. فالعلاقة التي كانت تبدو متينة بين الرجلين قد تتعرض لشرخ عميق إذا ما تم تصوير الحرب كفشل استراتيجي لواشنطن.
في نهاية المطاف، يخرج الإسرائيليون من الملاجئ وهم يتساءلون عن جدوى هذه الجولات القتالية التي لا تنتهي بسلام دائم. إن الفجوة بين الخطابات الرنانة والواقع الميداني المأزوم باتت أوسع من أن تغطيها المناورات السياسية، مما يضع مستقبل القيادة الحالية على المحك أمام جمهور سئم الوعود الفارغة.





שתף את דעתך
الفخ الاستراتيجي: كيف تبخرت وعود نتنياهو بـ 'النصر الكامل' في مواجهة إيران؟