تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث من المقرر انطلاق جولة جديدة من محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران برعاية باكستانية. وتأتي هذه الخطوة في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية كبيرة، حيث يحاول الطرفان جسر الهوة بين مطالب متعارضة تماماً بشأن إنهاء حالة الصراع القائمة.
ورغم إبداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرونة نسبية بوصفه المقترحات الإيرانية بأنها تشكل 'أساساً' للمفاوضات، إلا أن الواقع يشير إلى وجود فجوات عميقة. وتتمسك طهران بمقترح مكون من عشر نقاط، في حين تصر واشنطن على خطة سابقة تتألف من خمسة عشر بنداً، مما يعكس تباعد الرؤى حول القضايا الجوهرية.
تعد قضية تخصيب اليورانيوم العقدة الأبرز في المنشار الدبلوماسي، حيث تضمن المقترح الإيراني مطلباً صريحاً بالاعتراف بحقها في التخصيب. وفي المقابل، استبعدت الإدارة الأمريكية هذا المطلب سابقاً، مع تأكيدات ترامب بأن هذا الملف غير قابل للتفاوض من وجهة النظر الأمريكية.
وإلى جانب الملف النووي، تبرز القدرات الصاروخية الإيرانية كحجر عثرة إضافي، إذ تطالب واشنطن وتل أبيب بتقليصها بشكل جذري. وترد طهران بأن ترسانتها الصاروخية تمثل ركيزة لأمنها القومي وهي غير مطروحة للنقاش، رغم الغموض الذي يلف حجم ما تبقى منها بعد العمليات العسكرية الأخيرة.
وفي سياق متصل، نقلت مصادر عن مسؤول باكستاني قوله إن إيران قد تحصل على استجابة في ملفات إعادة الإعمار والتعويضات ورفع العقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، شدد المسؤول على أن التوصل إلى اتفاق بشأن تخصيب اليورانيوم يظل أمراً مستبعداً في ظل المعطيات الحالية والضغوط الدولية.
لقد انتقل ثقل المفاوضات من البرامج العسكرية إلى الممرات المائية، حيث يتصدر مصير مضيق هرمز قائمة الأولويات الدولية. ويمر عبر هذا المضيق نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، مما يجعل استقرار الملاحة فيه قضية أمن قومي عالمي.
وتسبب الإغلاق الفعلي للمضيق من قبل القوات الإيرانية منذ أواخر فبراير الماضي في اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية. وقد أدى هذا الحصار إلى قفزات قياسية في أسعار النفط، مما وضع ضغوطاً اقتصادية هائلة على الدول المستوردة ودفع واشنطن للبحث عن حلول عاجلة.
إيران تمتلك نفوذاً اقتصادياً عبر مضيق هرمز، ولن تبرم اتفاقاً طالما استمر العدوان الإسرائيلي على لبنان.
وتسعى طهران من خلال المفاوضات إلى تشريع فرض رسوم مالية على السفن التي تعبر المضيق في حال التوصل إلى اتفاق سلام دائم. وتبرر ذلك بموقعها الجغرافي وسيطرتها على الممر الذي يضيق إلى 34 كيلومتراً فقط عند نقطة التماس بين إيران وسلطنة عمان.
من جانبه، لم يتردد الرئيس الأمريكي في استخدام لغة التهديد، ملوحاً بتدمير إيران إذا لم تلتزم بوقف إطلاق النار وإعادة فتح الممر المائي. وحتى اللحظة، لا توجد إشارات ميدانية تدل على رفع الحصار الإيراني، وهو ما تعتبره واشنطن تحدياً صارخاً لإمدادات الطاقة العالمية.
وتشترط إيران صراحةً لوقف التصعيد وفتح المضيق ضرورة توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وتؤكد القيادة الإيرانية أنها لن تبرم أي اتفاق سلام طالما استمر القصف الإسرائيلي المكثف على الأراضي اللبنانية واستهداف حزب الله.
ويتضمن المقترح الإيراني المكون من عشر نقاط بنوداً تصفها واشنطن بالتعجيزية، مثل انسحاب القوات الأمريكية القتالية من المنطقة بالكامل. كما تطالب طهران بإلغاء كافة قرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادرة بحقها، كجزء من تسوية شاملة.
في المقابل، تركز الخطة الأمريكية على إزالة مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب ووقف البرامج الباليستية تماماً. كما تطالب واشنطن بقطع التمويل الإيراني عن كافة الحلفاء والوكلاء في المنطقة، وهو ما تراه طهران تدخلاً في سياساتها الإقليمية وتحالفاتها الاستراتيجية.
وعلى الصعيد الإسرائيلي، أفادت مصادر بأن تل أبيب وافقت على مبدأ وقف إطلاق النار مع إيران، لكنها وضعت خطاً فاصلاً مع الجبهة اللبنانية. وتصر إسرائيل على أن العمليات العسكرية في لبنان غير مشمولة بأي تفاهمات مع طهران، وهو ما يهدد بانهيار الهدنة قبل بدئها.
ويبقى التساؤل قائماً حول فرص نجاح هذه التسوية في ظل تمسك كل طرف بأوراقه القوية؛ فبينما تراهن واشنطن على قوتها النارية، تراهن طهران على 'صبر استراتيجي' ونفوذ اقتصادي خانق عبر مضيق هرمز. إن الأيام القادمة في إسلام آباد ستحدد ما إذا كان العالم سيتجه نحو تهدئة كبرى أم تصعيد غير مسبوق.





שתף את דעתך
مفاوضات إسلام آباد: فجوات عميقة بين واشنطن وطهران حول النووي ومضيق هرمز