ה 09 אפר 2026 10:17 am - שעון ירושלים

اقتصاد الحرب في إسرائيل: كيان يتآكل وائتلاف يقاتل للبقاء بالصفقات والرشاوى

في سباق مع الزمن وبعد اكثر من شهر من الحرب على إيران، وفي لحظة سياسية واقتصادية مشبعة بالتوتر، نجحت حكومة بنيامين نتنياهو قبل أيام في تمرير الميزانية العامة قبل انقضاء المهلة القانونية بساعات، متفادية بذلك سقوطها الحتمي والدخول في دوامة انتخابات مبكرة خلال تسعين يوماً، غير أن هذا “الإنجاز” الذي سارع قادة الائتلاف إلى تسويقه بوصفه دليلاً على الصلابة والاستقرار، يخفي وراءه حقيقة أكثر تعقيداً، مفادها أن الحكومة لم تنتصر بقدر ما أجّلت سقوطها عبر مزيج من المقايضات السياسية المكلفة، والابتزاز الحزبي، واستثمار ظرف الحرب لفرض وقائع كان يصعب تمريرها في أوقات السلم.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن معركة الميزانية لم تكن معركة أرقام بقدر ما كانت معركة بقاء، فالائتلاف الحاكم الذي يضم طيفاً واسعاً من اليمين الديني والقومي، وجد نفسه أمام معادلة دقيقة: إما تمرير الميزانية بأي ثمن، أو الانهيار السياسي، وهنا فُتحت خزائن الدولة لتأمين الولاءات، مليارات الشواقل خُصصت لإرضاء الأحزاب الحريدية، سواء عبر دعم المؤسسات الدينية أو الحفاظ على امتيازات طلاب المدارس التوراتية، فيما حصلت قوى الاستيطان على دفعة جديدة من الموارد والتسهيلات لتعزيز حضورها في الضفة الغربية، ولم يقتصر الأمر على المال، بل شمل أيضاً تقديم تنازلات تشريعية، من توسيع صلاحيات المحاكم الدينية إلى الدفع باتجاه قوانين مثيرة للجدل، في مقدمتها قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بما يعكس توجهاً متصاعداً نحو إعادة تشكيل النظام القانوني وفق رؤية أيديولوجية متطرفة.
في هذا السياق، برز دور بتسلئيل سموتريتش، الذي لم يكتفِ بإدارة الملف المالي، بل تحوّل إلى مهندس سياسي لتمرير الميزانية، مستنداً إلى خطاب تعبوي يربط بين الاقتصاد والهوية، وبين الإنفاق العام ومشروع “تعزيز الطابع اليهودي للدولة”، وقد ذهب سموتريتش بعيداً في تصوير هذه الميزانية باعتبارها لحظة تأسيسية ستُعيد تعريف مفاهيم الأمن والاقتصاد والقانون، غير أن هذا الخطاب، على ما فيه من ثقة، يصطدم بواقع اقتصادي متآكل تكشفه الأرقام الرسمية نفسها.
تشير تقديرات بنك إسرائيل إلى أن تكلفة الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى أوائل عام 2026 بلغت نحو 352 مليار شيكل كنفقات مباشرة، مع توقعات بإضافة عشرات المليارات الأخرى في ظل استمرار العمليات العسكرية، بما يرفع الكلفة الإجمالية إلى ما يقارب نصف تريليون شيكل عند احتساب الأثر التراكمي، هذه الأرقام لا تعني فقط استنزافاً مالياً ضخماً، بل تكشف عن تحول بنيوي في طبيعة الاقتصاد الإسرائيلي، الذي بات يعمل وفق منطق “اقتصاد الحرب”، حيث تُعاد توجيه الموارد بشكل متسارع نحو الإنفاق العسكري والأمني، على حساب القطاعات الإنتاجية والخدمية.
لكن الكلفة الحقيقية للحرب لا تُقاس فقط بما يُنفق، بل أيضاً بما يُفقد، فالتقارير الاقتصادية تشير إلى تراجع ملموس في الناتج المحلي الإجمالي نتيجة تعطّل قطاعات واسعة، وتراجع الإنتاج، وغياب اليد العاملة، وتقلص الاستثمارات، وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي خسر ما يقارب 8.5% من ناتجه خلال فترة الحرب، وهو رقم يعكس ضربة عميقة في بنية الاقتصاد، لا يمكن تعويضها بسهولة حتى في حال توقف العمليات العسكرية، ومع ناتج سنوي يقترب من تريليوني شيكل، فإن هذه النسبة تعني خسارة تُقدّر بنحو 170 مليار شيكل، ما يضع الاقتصاد أمام تحديات طويلة الأمد تتجاوز حدود اللحظة الراهنة.
وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف من المستقبل. فالميزانية التي أُقرت بعجز متوقع يقارب 4.9%، تقوم على افتراضات متفائلة نسبياً بشأن انتهاء الحرب أو تراجع حدتها، وهي افتراضات لا تحظى بإجماع داخل المؤسسات الاقتصادية نفسها، بل إن بعض التقديرات، حتى داخل وزارة المالية، تتحدث عن احتمال دخول الاقتصاد في حالة انكماش قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة إذا استمرت الحرب بوتيرتها الحالية، وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: الحكومة التي تستخدم الحرب لتثبيت استقرارها السياسي، تغامر في الوقت ذاته بتقويض الأسس الاقتصادية التي يقوم عليها هذا الاستقرار.
سياسياً، لعبت الحرب دوراً حاسماً في تمرير الميزانية، إذ دفعت الأحزاب الحريدية إلى التراجع المؤقت عن مطالبها المتعلقة بالإعفاء من الخدمة العسكرية، كما وفرت غطاءً لفرض حالة من “الطوارئ السياسية” التي حدّت من قدرة المعارضة على المناورة، غير أن هذا التماسك الظاهري يخفي توترات كامنة داخل الائتلاف، قد تعود إلى السطح بمجرد تراجع الضغط الخارجي أو تغير موازين القوى في الشارع الإسرائيلي.
أما المعارضة، التي وصفت ما جرى بأنه “سرقة في جنح الليل”، فقد وجدت نفسها مرة أخرى أمام ائتلاف يجيد إدارة اللحظة الحرجة، مستفيداً من تشتتها وعجزها عن تقديم بديل مقنع، ورغم حدة الانتقادات، فإنها لم تتمكن من منع تمرير الميزانية، ما يعكس خللاً أعمق في بنية النظام السياسي، حيث تتكرر الأزمات دون أن تفضي إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.
في المحصلة، ما جرى في الكنيست لم يكن مجرد إقرار لميزانية، بل كان تجسيداً مكثفاً لطبيعة المرحلة التي تعيشها إسرائيل: دولة تدير حرباً مفتوحة، واقتصاداً مثقلاً بالديون، ونظاماً سياسياً قائماً على التوازنات الهشة والصفقات المؤقتة، لقد نجح نتنياهو في شراء الوقت، لكن هذا الوقت ليس مجانياً، فكل يوم إضافي في عمر هذه الحكومة يُراكم كلفة سياسية واقتصادية واجتماعية، ويؤجل في الوقت ذاته مواجهة أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل الدولة نفسها.
ومع استمرار الحرب، وتضخم الإنفاق، وتآكل النمو، يبدو أن إسرائيل تتجه نحو مفترق طرق حاسم، حيث لن يكون كافياً تمرير ميزانية أو كسب جولة سياسية هنا أو هناك، السؤال الحقيقي الذي يلوح في الأفق لم يعد متعلقاً بقدرة الحكومة على البقاء، بل بقدرة الدولة على تحمّل كلفة هذا البقاء، وما إذا كانت معادلة “الحرب مقابل الاستقرار” ستصمد، أم أنها ستنهار تحت وطأة واقع اقتصادي لا يمكن التلاعب به إلى ما لا نهاية.

תגים

שתף את דעתך

اقتصاد الحرب في إسرائيل: كيان يتآكل وائتلاف يقاتل للبقاء بالصفقات والرشاوى

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.