كشفت تقارير ميدانية ومصادر مطلعة عن حالة من الارتباك سادت الأوساط السياسية والعسكرية الكردية، نتيجة الرسائل المتناقضة الصادرة عن البيت الأبيض خلال ذروة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فبينما أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حماساً أولياً لانخراط المقاتلين الأكراد في العمليات البرية، سرعان ما تراجع عن هذا الموقف، مما ترك حلفاء واشنطن في شمال العراق في مواجهة مباشرة مع آلة القمع الإيرانية.
وعلى مدار ثمانية أسابيع من الرصد في إقليم كردستان العراق، تبين أن آمال واشنطن وتل أبيب في تحريك 'ورقة الأكراد' للإطاحة بالنظام في طهران قد اصطدمت بواقع ميداني معقد. فقد شنت إيران حملة عسكرية واستخباراتية شرسة استهدفت شل حركة الفصائل المعارضة، مستخدمة مزيجاً من الضربات الصاروخية الدقيقة والضغوط السياسية على حكومة أربيل لمنع أي تسلل عبر الحدود المشتركة.
وأفادت مصادر بأن الحرس الثوري الإيراني لم يكتفِ بالعمليات العسكرية، بل أطلق حرباً نفسية عبر إغراق المناطق الكردية برسائل نصية تحذر السكان من التعاون مع من وصفتهم بـ 'المرتزقة'. كما جابت سيارات مزودة بتقنيات مسح متطورة شوارع المدن الإيرانية لتعقب الاتصالات غير القانونية عبر الأقمار الصناعية، في محاولة لقطع الطريق على أي تنسيق بين الداخل والخارج.
وفي الجانب العراقي، تعرضت حكومة إقليم كردستان لضغوط مباشرة، حيث تلقى مسؤولون كبار مكالمات هاتفية من قيادات في الحرس الثوري تطالب بانسحاب القوات الكردية من الحدود فوراً. وأكدت المصادر أن التهديد كان واضحاً: 'انسحبوا في غضون ساعة أو واجهوا وابلاً من الصواريخ'، وهو ما دفع الأكراد العراقيين لإعلان موقف محايد لتجنب الانجرار إلى أتون حرب مدمرة.
ورغم محاولات النأي بالنفس، لم يسلم الإقليم من الهجمات، إذ وثقت تقارير إطلاق نحو 388 صاروخاً وطائرة مسيرة إيرانية استهدفت مقرات المعارضة الكردية الإيرانية في العراق. وأسفرت هذه الضربات عن مقتل عدد من المقاتلين وتدمير قواعد لوجستية كان يُعتقد أنها آمنة، مما أثبت قدرة طهران الاستخباراتية على تحديد مواقع الأهداف بدقة متناهية.
في المقابل، نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية نحو 140 غارة جوية استهدفت مراكز أمنية ونقاط حرس حدود تابعة للحرس الثوري في شمال غرب إيران. وكان الهدف من هذه العمليات هو إضعاف القبضة الأمنية الإيرانية وتهيئة الأرضية لانتفاضة داخلية، إلا أن هذه الضربات لم تكن كافية لكسر إرادة النظام أو دفع الجماهير نحو مواجهة مفتوحة في ظل الانتشار العسكري الكثيف.
وتحدث قادة عسكريون من حزب 'الحرية الكردستاني' عن خيبة أملهم من غياب خطة أمريكية واضحة، مشيرين إلى أن التصريحات التشجيعية لم تترجم إلى دعم لوجستي أو تسليح حقيقي على الأرض. وأوضح القادة أنهم كانوا ينتظرون 'اللحظة المناسبة' للعودة إلى أراضيهم، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة المسيرات الإيرانية وسندان التردد الأمريكي في واشنطن.
ترامب في اليوم السادس: هجوم الأكراد سيكون أمراً رائعاً.. ترامب في اليوم الثامن: نحن لا نتطلع لدخول الأكراد، لقد استبعدت ذلك.
ودخلت تركيا على خط الأزمة، حيث حذر وزير خارجيتها هاكان فيدان الإدارة الأمريكية من مغبة إشراك الفصائل الكردية في أي عملية عسكرية عابرة للحدود. وأعربت أنقرة عن مخاوفها من أن يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها، بما في ذلك الداخل التركي والسوري، مما أضاف طبقة جديدة من التعقيد أمام صانع القرار في البيت الأبيض.
وبحلول اليوم الثامن من الحرب، بدا أن ترامب قد استجاب لهذه الضغوط والتعقيدات، حيث أعلن صراحة من على متن طائرة الرئاسة استبعاد خيار الاعتماد على الأكراد في المواجهة البرية. هذا التحول المفاجئ أصاب الفصائل الكردية في المنفى بحالة من الإحباط، بعد أن كانت تعتقد أن الفرصة التاريخية للإطاحة بالنظام في طهران قد حانت أخيراً.
وعلى الصعيد الميداني، أكد سكان في المدن الكردية الإيرانية أن الحرس الثوري دفع بتعزيزات ضخمة شملت عشرات الحافلات المحملة بالمقاتلين إلى المناطق الحدودية. وأشار السكان إلى أن قوات الأمن نامت في سياراتها وتحصنت في الغابات والمساجد لتجنب الغارات الجوية، مع الحفاظ على جاهزية تامة لقمع أي محاولة للتمرد أو التظاهر في الشوارع.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لا يزال المقاتلون الأكراد في العراق يعيشون حالة من التأهب والقلق، حيث يخشون أن يكون أي اتفاق مستقبلي بين واشنطن وطهران على حساب قضيتهم. وقال أحد القادة الميدانيين إن 'الاحتلال الإيراني' لا يزال قائماً، وأن خطر التصفية والإعدام يلاحقهم في حال توقف الدعم الدولي أو تم التوصل إلى تسوية سياسية.
وتشير البيانات إلى أن الأكراد، الذين يمثلون نحو 10% من سكان إيران، يظلون الحلقة الأضعف والأكثر استهدافاً في أي صراع إقليمي، نظراً لتوزعهم الجغرافي وطموحاتهم القومية. ومع غياب كيان سياسي مستقل، يجد الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً وقوداً لصراعات القوى الكبرى، حيث تُستخدم ورقتهم لتحقيق مكاسب مؤقتة قبل أن يتم التخلي عنهم عند أول منعطف سياسي.
وفي السليمانية وأربيل، يراقب المسؤولون الأكراد العراقيون بحذر مسار المفاوضات الجارية، مؤكدين أن أولويتهم القصوى هي الحفاظ على استقرار الإقليم وحكمه الذاتي. ويرى هؤلاء أن الانجرار إلى الحرب ضد إيران سيكون انتحاراً سياسياً وعسكرياً، خاصة في ظل التغلغل الكبير للفصائل المسلحة الموالية لطهران داخل الساحة العراقية.
ويبقى السؤال قائماً حول مستقبل المعارضة الكردية الإيرانية المسلحة في ظل هذه المتغيرات، فبينما يواصل المقاتلون تدريباتهم في جبال كردستان، تبدو آفاق التغيير في طهران بعيدة المنال. ومع استمرار سياسة 'الرسائل المتضاربة' من واشنطن، يجد الأكراد أنفسهم مضطرين للاعتماد على إمكانياتهم الذاتية وشبكاتهم السرية داخل إيران، بانتظار لحظة قد لا تأتي قريباً.





שתף את דעתך
بين وعود ترامب وتهديدات طهران.. كيف أُجهضت 'الجبهة الكردية' في الحرب ضد إيران؟