في خضم الحرب الإسرائيلية الأمريكية الجارية على إيران، يبرز الموقف الأوروبي بوصفه من أكثر المواقف تعقيداً في النظام الدولي الراهن. ويعود ذلك إلى حذره الظاهر من جهة، وإلى ما يكشفه من تحولات أعمق تمس مكانة أوروبا نفسها بين التحالفات التقليدية ومتطلبات الاستقلال الاستراتيجي من جهة أخرى. فعلى المستوى الرسمي، تؤكد العواصم الأوروبية أنها ليست طرفا في الحرب، وتدعو إلى التهدئة وتفادي التصعيد. بيد أن الواقع العملي يكشف انخراطاً غير مباشر، سواء عبر البنية العسكرية المنتشرة في القارة، أو عبر التعامل مع التداعيات الأمنية والاقتصادية التي يفرضها النزاع. ويعكس هذا التفاوت بين الخطاب والممارسة مأزقا بنيويا حقيقيا، إذ تجد أوروبا نفسها مطالبة بالحفاظ على تحالفها مع واشنطن، وفي الوقت ذاته تسعى إلى تفادي كلفة حرب لا تملك قرارها، في ظل سياق دولي تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على فرض توازنات مستقرة. ومع تصاعد التوتر عبر الأطلسي، وظهور تباينات داخل الاتحاد الأوروبي، وتزايد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، تبدو هذه الحرب أقرب إلى اختبار فعلي لقدرة أوروبا على إعادة تعريف دورها في عالم سريع التغيّر.
انقسام أوروبي يتجاوز الاختلافات التقليدية
تكشف التطورات الأخيرة عن انقسام أوروبي عميق تجاوز حدود التباينات المعتادة، وبلغ مستوى قرارات سيادية تمس مباشرة طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد اتخذت إسبانيا موقفاً صارماً حين رفضت استخدام مجالها الجوي وقواعدها العسكرية، بينما لجأت دول مثل إيطاليا وفرنسا إلى مقاربات أكثر انتقائية، فأبقت على هوامش دعم محدودة دون انخراط مباشر في الحرب. وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها حالة مختلفة، إذ تبنت نمط انخراط منضبط، فسمحت باستخدام قواعدها العسكرية في عمليات مرتبطة بحماية الملاحة في الخليج، وعززت حضورها العسكري في المنطقة، مع حرص واضح على حصر هذا الدور في إطار دفاعي لا ينزلق إلى عمليات هجومية واسعة.
ويعكس هذا التباين أيضاً ضغطاً داخلياً يتزايد باطراد، إذ تظهر اتجاهات الرأي العام في عدة دول أوروبية أن ما بين 55% و65% من المواطنين يعارضون أي انخراط عسكري مباشر في هذه الحرب، مع نسب أعلى في دول جنوب أوروبا، ولا سيما إسبانيا وإيطاليا. وثمّة استطلاعات أخرى تشير كذلك إلى أن غالبية الأوروبيين تنظر إلى هذه الحرب بوصفها "نزاعاً عالي المخاطر وملتبس الأهداف"، وهو ما يعيد إلى الذاكرة تجربة غزو العراق عام 2003، التي ما تزال تلقي بظلالها على المزاج السياسي الأوروبي. وعليه، لم يعد الانقسام الأوروبي مجرد اختلاف بين سياسات حكومية، بل غدا انعكاسا لتفاعل معقد بين مواقف الحكومات واتجاهات الرأي العام، وهو تفاعل يضع قيودا واضحة على قدرة العواصم الأوروبية على الذهاب نحو مواقف أشد حدة.
مفارقة الانخراط: أوروبا كقاعدة خلفية للحرب
رغم هذا الخطاب السياسي الحذر، تكشف الوقائع العملياتية مفارقة أساسية. فأوروبا ليست خارج الحرب، بل تؤدي دور البنية التحتية الحيوية التي تستند إليها. فمن خلال شبكة القواعد العسكرية المنتشرة في ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، تتحول القارة إلى منصة رئيسية لإسقاط القوة الأميركية. وتشهد قواعد مثل رامشتاين في ألمانيا وتيرة غير مسبوقة من الطلعات الجوية، فيما تؤدي القواعد البريطانية، ولا سيما في قبرص وداخل بريطانيا نفسها، دورا محوريا في دعم العمليات الجوية واللوجستية. ولهذا وصف بعض المسؤولين العسكريين أوروبا بأنها "أول حاملة طائرات للولايات المتحدة".
وفي المقابل، اختارت فرنسا مقاربة مختلفة تقوم على "انخراط سيادي". فأعلنت إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول إلى شرق المتوسط ضمن مجموعة قتالية، بهدف حماية المصالح الأوروبية وتأمين الملاحة في ظل التصعيد. بيد أن هذا الانخراط، رغم طابعه العسكري، بقي مضبوطا داخل إطار دفاعي، بما يعكس مسعى فرنسيا يجمع بين إظهار القدرة العسكرية وتجنب الاندماج في العمليات الأميركية. وهنا تظهر المفارقة الأوروبية بوضوح؛ إذ توفر القارة البنية التحتية والقدرات التي تجعل الحرب ممكنة، ثم تحاول في الوقت ذاته رسم حدود سياسية لانخراطها، فتجد نفسها في موقع ملتبس، داخل الحرب وخارجها في آن.
أزمة بنيوية في العلاقة عبر الأطلسي
في العمق، تكشف الحرب على إيران أزمة بنيوية تتجاوز الحدث العسكري نفسه، وتمس طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، قامت هذه العلاقة على معادلة غير متوازنة حيث وفرت واشنطن الحماية، فيما خفضت أوروبا استثمارها في قدراتها الدفاعية. وقد تراجع الإنفاق العسكري الأوروبي من أكثر من 3% من الناتج المحلي في أواخر الثمانينيات إلى نحو 1.4% فقط بحلول عام 2015. وأتاح هذا الترتيب لأوروبا أن تعيد توجيه مواردها نحو أولويات داخلية، لكنه قاد تدريجيا إلى تآكل في القدرات العملياتية، وظهر ذلك بوضوح في أزمات سابقة مثل ليبيا، حين عجزت الدول الأوروبية عن إدارة عمليات مستقلة من دون دعم أميركي مباشر. ومع تصاعد الضغوط الأميركية في السنوات الأخيرة، اتسع النقاش ولم يعد محصورا في مسألة تقاسم الأعباء، بل امتد إلى حدود هذا النموذج نفسه، خصوصا مع تزايد المؤشرات على أن المظلة الأمنية الأميركية لم تعد تدار بالثبات الذي اعتادت عليه أوروبا.
بيد أن هذه التبعية لا تقف عند المجال العسكري، بل تمتد إلى بنية أوسع تشمل الطاقة والنظام المالي وسلاسل التوريد؛ إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي على الواردات لتغطية نحو 57% من احتياجاته الطاقوية، مع فاتورة سنوية تتجاوز 420 مليار يورو، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب خارجي، ولا سيما في مناطق حيوية مثل الخليج الذي تمر عبره قرابة 20% من تجارة الطاقة العالمية من خلال مضيق هرمز. وقد انعكست هذه الهشاشة سريعا مع اندلاع الحرب، فارتفعت أسعار الغاز بأكثر من 70% خلال أسابيع، في وقت ما تزال فيه الاقتصادات الأوروبية تعاني من تباطؤ النمو منذ جائحة كوفيد 19. وفي هذا السياق، يكشف الانتقال من الاعتماد على الغاز الروسي إلى مصادر بديلة، خاصة الأميركية والخليجية، عن نمط متكرر من إعادة إنتاج التبعية بدل التحرر منها، رغم محاولات بعض الدول، وفي مقدمتها فرنسا، تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية بوصفها خيارا أكثر سيادة. وهكذا لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد صدمة عابرة، بل لحظة كاشفة لحدود النموذج الأوروبي القائم على "الاعتمادية المتعددة والمتبادلة"، في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس واتساع مساحات اللايقين.
خاتمة
في المحصلة، يعكس الموقف الأوروبي من الحرب على إيران حالة توازن دقيق تزداد هشاشته كلما تطور الصراع. فبين انقسام داخلي واضح، وانخراط عملي عبر البنية العسكرية، وضغوط رأي عام يرفض الحرب، وتوتر متصاعد مع الولايات المتحدة، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة يصعب الحفاظ عليها على المدى الطويل. بيد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار موقف من الحرب بحد ذاتها، وإنما في قدرة أوروبا على إعادة تعريف موقعها داخل النظام الدولي، وفي إيجاد صيغة تتيح لها الانتقال من موقع التابع إلى شريك أكثر استقلالاً دون تفكيك تحالفاتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، لا تبدو العودة إلى النموذج السابق ممكنة، كما أن القطيعة الكاملة مع واشنطن تظل خيارا غير واقعي. وما يتشكل تدريجيا هو نمط جديد من العلاقات، أقل استقرارا وأكثر تعقيدا، بحيث تغدو إدارة التوازن، لا حسمه، السمة الأبرز للدور الأوروبي في عالم يتجه نحو مزيد من التوتر والتعددية.
*باحث في العلاقات الدولية والشؤون الأوروبية
א 05 אפר 2026 11:16 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
بين الحياد والانخراط: كيف تدير أوروبا الحرب على إيران؟