فتحت عالمة النفس الأمريكية كاثرين بايج هاردن، الأستاذة بجامعة تكساس في أوستن، نقاشاً فكرياً وعلمياً واسعاً من خلال كتابها الجديد الذي يحمل عنوان 'الخطيئة الأصلية: جينات الخطأ، معضلة اللوم، ومستقبل الغفران'. يتناول الكتاب واحدة من أعقد القضايا الفلسفية والعلمية، وهي مدى تأصل الشر في الطبيعة البشرية، وما إذا كان السلوك المنحرف نتاجاً للجينات أم للظروف البيئية المحيطة.
تعتمد هاردن في أطروحتها على أبحاث حديثة في علم الوراثة السلوكي، مشيرة إلى أن بعض السمات مثل ضعف التنظيم الذاتي أو الميل للمخاطرة قد ترتبط بأنماط جينية معينة. ومع ذلك، تؤكد المصادر أن المؤلفة ترفض بشدة القراءات الحتمية التي تختزل الإنسان في شفرته الوراثية، معتبرة أن التفاعل المستمر بين البيولوجيا والبيئة هو ما يصيغ الشخصية الإنسانية.
يبرز الكتاب كيف أن مفهوم 'الخطيئة الأصلية' اللاهوتي لا يزال يلقي بظلاله على الأنظمة القانونية الحديثة، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. وترى هاردن أن النظام الجنائي هناك يتعامل مع المجرمين بناءً على فرضية مضمرة بأنهم 'أشرار بطبيعتهم'، مما يبرر عقوبات قاسية تتجاهل إمكانية الإصلاح أو التغيير السلوكي.
تنتقد هاردن بشدة السياسات العقابية التي لا تمنح فرصة ثانية، مثل السجن المؤبد لمن ارتكبوا جرائم في سن مبكرة، معتبرة أن هذا النهج يختزل الكيان الإنساني في أسوأ لحظات حياته. وتدعو بدلاً من ذلك إلى فهم أعمق للدوافع البيولوجية والاجتماعية التي تقود للفعل الإجرامي دون إسقاط المسؤولية الفردية بالكامل.
وفيما يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية، تقدم هاردن طرحاً وسطاً يرفض نفي الإرادة الحرة تماماً، لكنه يطالب بتقدير الظروف الخارجة عن إرادة الفرد. فهي ترى أن مساءلة الشخص عن أفعاله هي اعتراف ضمني بإنسانيته وقدرته على الاختيار، بشرط أن يكون العقاب قائماً على الفهم والإصلاح لا على الانتقام والإذلال.
يتطرق الكتاب أيضاً إلى القضايا الأخلاقية المرتبطة بالتقدم العلمي، مثل فكرة هندسة الأجنة لاختيار صفات سلوكية معينة كالانضباط العالي. وترفض هاردن هذا التوجه التحسيني، محذرة من أنه يعيد إحياء أفكار 'اليوجينيا' التي تصنف البشر وفق معايير بيولوجية ضيقة تفتقر للتنوع الإنساني الضروري.
تؤكد المؤلفة أن المجتمعات البشرية بحاجة إلى التنوع الجيني والسلوكي، بما في ذلك الأفراد الذين يميلون إلى التمرد أو الخروج عن المألوف. فهؤلاء الأفراد، بحسب رؤيتها، غالباً ما يكونون المحرك الأساسي للابتكار والتغيير الاجتماعي، ولا يمكن حصر قيمتهم في معايير الانضباط التقليدية فقط.
العدالة الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا على فهم تعقيد السلوك البشري، والسعي إلى نظام يجمع بين المحاسبة والرحمة.
يعتبر هذا العمل امتداداً لمشروع هاردن الفكري الذي بدأته في كتابها السابق 'اليانصيب الجيني'، حيث ناقشت كيف يؤثر الحظ الوراثي على فرص النجاح والاستحقاق. وهي تواصل هنا محاولة بناء جسر بين المعطيات العلمية الصلبة وبين المفاهيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية التي تهم المجتمعات المعاصرة.
تشير مصادر متابعة لأعمال هاردن إلى أن خلفيتها الشخصية، ونشأتها في بيئة دينية محافظة بجنوب الولايات المتحدة، أثرت بشكل كبير على اهتمامها بالربط بين العلم والدين. هذا التداخل يمنح كتاباتها بعداً إنسانياً يجعلها قادرة على مخاطبة الجمهور العام بعيداً عن لغة المختبرات الجافة.
توضح هاردن أن الاعتراف بتأثير الجينات لا ينبغي أن يكون ذريعة لتبرير اللامساواة أو التمييز ضد فئات معينة. بل على العكس، يجب أن يدفع هذا الفهم نحو تبني سياسات اجتماعية أكثر إنصافاً تأخذ في الحسبان أن الأفراد لا يبدأون حياتهم من نفس نقطة الانطلاق البيولوجية.
يسعى الكتاب إلى تقديم رؤية متوازنة للإنسان بوصفه كائناً مسؤولاً ولكنه في الوقت ذاته نتاج لظروف معقدة ومتداخلة. وتخلص هاردن إلى أن العدالة الحقيقية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال نظام يجمع بين المحاسبة والرحمة، ويحترم كرامة الإنسان مهما بلغت درجة خطئه.
من خلال تحليلها المعمق، تدعو هاردن المؤسسات القانونية والتربوية إلى إعادة التفكير في أسس الحكم الأخلاقي، مشددة على أن العلم يجب أن يخدم الإنسانية لا أن يستخدم كأداة للتصنيف أو الإقصاء. إنها دعوة للعودة إلى جوهر العدالة الذي يراعي الضعف البشري والتعقيد الوراثي.
تعد كاثرين بايج هاردن اليوم من أبرز الأصوات في علم النفس المعاصر، حيث نجحت في نقل النقاشات الأكاديمية حول الوراثة إلى الفضاء العام. وتتميز قدرتها البحثية بالربط بين الإحصاءات الحيوية وبين الأسئلة الوجودية الكبرى التي تشغل بال الفلاسفة والمصلحين الاجتماعيين.
في الختام، يمثل كتاب 'الخطيئة الأصلية' صرخة فكرية ضد التبسيط في فهم السلوك البشري، ومحاولة جادة لتجاوز الثنائية التقليدية بين 'الطبيعة والتنشئة'. إنه عمل يدعو لبناء مجتمعات أكثر إنسانية، تعترف بالحقائق العلمية دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية أو إيمانها بقدرة الإنسان على التغيير.





שתף את דעתך
بين العلم واللاهوت.. كاثرين هاردن تفكك مفهوم 'الإنسان الشرير' في كتابها الجديد