قبسات
في هذه الأرض، الموت جزءٌ من التفاصيل اليومية، مثل شروق الشمس أو صوت الباعة في الأزقة القديمة. نحن لا نبحث عنه، لكنه يعرف طريقه إلينا جيدًا. يمرّ من بين البيوت، يطرق الأبواب بلا استئذان، ويجلس معنا على موائد القلق الطويلة. ومع ذلك، لا نتوقف عن الرغبة في الحياة، ولو بقدر قليل… ولو بهامش ضيق يكفي لالتقاط أنفاسنا.
نحن والموت واحد، لأننا نعرفه أكثر مما ينبغي. نحفظ ملامحه، ونتقن تمييز صوته في نشرات الأخبار، ونستطيع أن نقرأ ظلاله في عيون الأمهات. لكنه، رغم قربه لا ينجح في اقتلاع تلك الرغبة العنيدة في داخلنا: أن نحيا. ليس حياة كاملة كما يحلم بها الآخرون، بل حياة مجتزأة، مؤجلة، مهددة، لكنها لنا.
نريد أن نحيا قليلًا.. أن نحتفل بأشياء صغيرة لا تلفت انتباه أحد. أن نشرب القهوة دون أن نراقب الوقت بخوف، أن نمشي في الشوارع دون أن نحسب خطواتنا، أن نضحك دون أن نشعر بالذنب. نريد حياة عادية، وهذا أكثر ما يبدو مستحيلًا.
في كل مرة ننجو فيها، لا نشعر بالنصر، بل بالارتباك. لماذا نحن؟ ولماذا الآن؟ تتراكم الأسئلة كغبار كثيف على صدورنا، لكننا لا نملك ترف الإجابة. ما نملكه فقط هو الاستمرار، كأننا نؤدي دورًا كُتب لنا مسبقًا، دون أن نقرأ النص كاملًا.
ومع ذلك، لا نتوقف عن الحلم. ربما لأن الحلم هو الشكل الوحيد للحياة الذي لا يستطيع الموت مصادرته. نحلم ببيوت هادئة، بنوافذ مفتوحة على صباحات بلا دخان، بأطفال يركضون دون أن تناديهم أصوات الخطر للعودة. نحلم بأشياء بسيطة، لكنها في واقعنا تكتسب معنى المقاومة.
الموت هنا اختبارٌ يوميٌّ للقدرة على البقاء إنسانًا. أن تحافظ على قلبك طريًّا، رغم كل ما يحيط بك من قسوة، هو نوع من التحدي. أن تظل قادرًا على الحب، على التعاطف، على البكاء.. هو انتصار صغير لا يُرى، لكنه حقيقي.
نحن لا نطلب الكثير. لا نطالب بالمستحيل. فقط نريد أن نحيا قليلًا، أن نسرق من الزمن لحظات لا تُقاس بالخوف. أن نثبت لأنفسنا قبل أي أحد، أن الحياة مهما ضاقت، لا تزال ممكنة.
ربما لن يتغير كل شيء، وربما سيبقى الموت قريبًا كما هو، لكن ما دام فينا هذا الإصرار الخفي على الحياة، فنحن لم نخسر بعد. نحن فقط نحاول كل يوم، أن نكون أكثر من مجرد أرقام.. أن نكون حياة، حتى لو كانت قصيرة، وحتى لو كانت على حافة الموت.





שתף את דעתך
نحن والموت واحد.. وقليلٌ من الحياة يكفي!