تشهد الساحة العراقية تصعيداً ميدانياً لافتاً من خلال ضربات جوية شبه يومية تستهدف مواقع تابعة لهيئة الحشد الشعبي، وتركزت هذه الهجمات بشكل ملحوظ في المناطق ذات الغالبية السنية. وأثارت هذه العمليات تساؤلات حول الغايات الاستراتيجية من حصر الاستهداف في هذه الجغرافيا، وما إذا كانت تهدف إلى تقويض نفوذ الفصائل في المدن الحدودية والمناطق الحساسة أمنياً.
وفي أحدث التطورات الميدانية، نعت هيئة الحشد الشعبي ثلاثة من مقاتليها سقطوا في غارة وصفتها بـ 'الصهيو-أمريكية' استهدفت اللواء 17 في مدينة الرطبة بمحافظة الأنبار. وسبق هذا الهجوم ضربات مماثلة طالت اللواء 45 في منطقة جرف الصخر بمحافظة بابل، واللواء 31 في قاطع الكرمة، مما يعكس اتساع رقعة الاستهداف في العمق الغربي للعراق.
ويرى مراقبون أن الأهمية الاستراتيجية لوجود الحشد في هذه المناطق تكمن في السيطرة على المنافذ الحدودية التي تربط العراق بكل من سوريا والأردن. وتعتبر هذه الممرات حيوية لنقل الإمدادات، حيث تشير مصادر إلى أن القصف قد يستهدف شحنات أسلحة نوعية في طريقها إلى أطراف إقليمية، مستغلة ضعف سيطرة الدولة السورية على حدودها الشرقية.
وتشكل منطقة جرف الصخر في محافظة بابل نموذجاً خاصاً لهذا الصراع، حيث توصف بأنها معقل حصين للفصائل المسلحة يصعب على القوات النظامية دخوله. وتتحدث تقارير عن احتواء المنطقة على مصانع ومخازن أسلحة متطورة ومراكز اعتقال، مما يجعلها هدفاً دائماً للعمليات الجوية الرامية لتفكيك البنية التحتية العسكرية للفصائل الموالية لإيران.
من جانبه، حذر فصيل 'كتائب سيد الشهداء' من أن تكرار الاعتداءات في الموصل وكركوك وصلاح الدين والأنبار يهدف إلى إحداث فراغ أمني مريب. وطالب الفصيل الحكومة العراقية بضرورة تزويد القوات الأمنية بمنظومات دفاع جوي متطورة للتصدي لهذه الخروقات، معتبراً أن الصمت على هذه الضربات قد يعيد سيناريوهات أمنية قاسية شهدها العراق سابقاً.
وفي سياق التحليل السياسي، تبرز فرضية استنساخ 'تجربة إدلب' السورية في المناطق السنية بالعراق، حيث يرى محللون أن واشنطن قد تسعى لخلق مناطق نفوذ جديدة. هذا السيناريو يفترض إضعاف قبضة الفصائل المسلحة لصالح قوى محلية أو دولية، ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط.
وتواجه الحكومة العراقية ضغوطاً متزايدة لتحديد الفصائل التي تصفها بـ 'الخارجة عن القانون'، وهو مطلب أمريكي قوبل بالرفض من قبل بغداد لتجنب الصدام الداخلي. هذا الرفض يأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تؤدي الفجوة الأمنية الناتجة عن إضعاف الحشد إلى توفير بيئة ملائمة لعودة نشاط التنظيمات المتطرفة التي استغلت سابقاً حالة الانقسام السياسي.
الاستهدافات المتكررة للحشد الشعبي في هذه المدن قد تهدف إلى خلق منطقة آمنة لجهات عراقية معارضة، في سياق ما يُسمى بالشرق الأوسط الجديد.
وعلى الرغم من المطالب المستمرة لبعض القوى السياسية بإخراج الحشد من المدن، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تعقيدات كبيرة تحول دون ذلك في المدى القريب. ويرتبط هذا الملف بشكل وثيق بنتائج الصراعات الإقليمية ومدى قدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها الكاملة على المناطق الحدودية بعيداً عن نفوذ الفصائل المسلحة.
وتشير مصادر سياسية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات في هوية المكونات وامتداداتها الجغرافية، خاصة في المحافظات الغربية التي تعتبر عمقاً استراتيجياً للعراق. ويُعتقد أن هناك توجهاً لإعداد هذه المناطق لتكون بعيدة عن المحاور الإقليمية المتصارعة، بما يضمن استقراراً نسبياً يحول دون تحولها إلى ساحة حرب مفتوحة.
وفيما يخص الموقف الأمريكي، يبدو أن إدارة واشنطن تتبنى استراتيجية 'الضغط الجراحي' عبر استهداف القيادات والمخازن دون الدخول في مواجهة شاملة. وتهدف هذه السياسة إلى تقليص قدرة الفصائل على تهديد القواعد الأمريكية في المنطقة، وإجبار الحكومة العراقية على اتخاذ خطوات أكثر جدية في ملف دمج السلاح تحت سلطة الدولة.
ويرى خبراء أن استبعاد عودة تنظيم الدولة بشكل كلي قد يكون متفائلاً، إلا أن التجربة القاسية التي مر بها سكان تلك المناطق تجعل من الصعب تقبل أي تنظيم متطرف مجدداً. ومع ذلك، فإن الفراغ الذي قد يتركه انسحاب الحشد دون بديل أمني قوي يظل هاجساً يؤرق صانع القرار في بغداد والمجتمع الدولي على حد سواء.
إن التداخل بين الأجندات المحلية والإقليمية في ملف الحشد الشعبي يجعل من الصعب التنبؤ بنهاية قريبة لهذه الضربات الجوية. فبينما تراها الفصائل اعتداءً على السيادة الوطنية، تنظر إليها أطراف أخرى كضرورة لتقليص النفوذ العابر للحدود وتأمين الممرات الدولية الحيوية التي تمر عبر الأراضي العراقية.
وفي نهاية المطاف، يبقى المكون السني في العراق هو الأكثر تأثراً بهذه التجاذبات العسكرية، حيث تتحول مدنه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى. ويتطلع سكان هذه المناطق إلى حلول تضمن لهم الأمن والاستقرار بعيداً عن هيمنة السلاح المنفلت أو التهديدات الجوية المستمرة التي تطال مراكزهم الحيوية.
ويبقى السؤال القائم حول مدى قدرة الحكومة العراقية على الموازنة بين التزاماتها الدولية وضغوط الفصائل الداخلية، في ظل مشهد أمني معقد ومفتوح على كافة الاحتمالات. إن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الضربات مجرد عمليات تكتيكية أم أنها جزء من مخطط استراتيجي شامل لتغيير قواعد اللعبة في العراق.





שתף את דעתך
دلالات تركيز الضربات الجوية على الحشد الشعبي في المناطق السنية بالعراق