أفادت تقارير دولية بأن السياسات الضاغطة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية دفعت خصوم واشنطن، وفي مقدمتهم إيران، إلى ابتكار أدوات ضغط غير تقليدية. وقد تجلى ذلك في الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز واستغلال موقعه الاستراتيجي لإلحاق أضرار اقتصادية سريعة بالغرب، مما يفتح الباب أمام طهران للخروج من المواجهة الحالية بمكانة دولية أكثر تأثيراً.
وذكرت مصادر صحفية أن طهران سلكت نهجاً يشبه الحروب التجارية، حيث اكتشفت مدى فاعلية السيطرة على الممرات المائية في إجبار القوى الدولية على مراجعة حساباتها. هذا التحول الاستراتيجي يمنح الجمهورية الإسلامية فرصة تتجاوز مجرد الصمود العسكري أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وصولاً إلى فرض واقع جيوسياسي جديد.
وعلى الرغم من الضربات القاسية التي تلقتها إيران، والتي شملت اغتيال قيادات رفيعة واستهداف منصات صاروخية ومراكز قيادة، إلا أن النظام أظهر قدرة على الصمود. ولم يقتصر الأمر على البقاء، بل امتد لإثبات القدرة على تهديد المصالح الاقتصادية للجيران والمجتمع الدولي عبر التحكم في تدفقات الطاقة العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن إيران بدأت بفرض رسوم تأمين باهظة تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة ترغب في عبور المضيق. وبالنظر إلى أن حركة الملاحة اليومية تصل إلى نحو 140 سفينة، فإن هذا الإجراء قد يحول الممر المائي إلى مورد مالي ضخم يرفد الخزينة الإيرانية بمليارات الدولارات شهرياً، مما يدعم تعافيها الاقتصادي.
من جانبه، حذر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من تداعيات هذه الخطوات الإيرانية، واصفاً إياها بغير القانونية والخطيرة. ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة حول قدرة واشنطن على تقديم رد فعل فعال ينهي هذا الحصار الاقتصادي المقنع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير مضمومة النتائج.
ويرى مراقبون عسكريون أن الحلول العسكرية لفتح المضيق بالقوة تبدو معقدة ومحبطة في آن واحد. فالتضاريس الجغرافية للمنطقة، مدعومة بالتقنيات الإيرانية مثل الطائرات المسيرة بعيدة المدى، تجعل من عمليات المرافقة البحرية التقليدية غير كافية لضمان سلامة السفن التجارية بشكل كامل.
وفي سياق المحاولات السياسية، برزت مقترحات من الإدارة الأمريكية الحالية تشمل الاستيلاء على نقاط استراتيجية مثل جزيرة خرج، إلا أن الخبراء يشككون في جدوى هذه الخطوات. فالمعضلة لا تكمن في السيطرة على نقطة واحدة، بل في القدرة على تأمين ممر مائي يقع تحت رحمة الصواريخ والمسيرات المنتشرة على طول الساحل.
تحويل مضيق هرمز إلى بوابة رسوم قد يضخ مليارات الدولارات شهرياً في الخزينة الإيرانية، مما يغير قواعد اللعبة الاقتصادية في المنطقة.
ويبدو أن خيار الاتفاق التفاوضي يظل الأكثر واقعية رغم كلفته العالية، حيث تطمح طهران للحصول على تنازلات مالية وسياسية تغير قواعد اللعبة. وتمتلك إيران الآن أداة قوية تمكنها من معاقبة أو مكافأة الدول بناءً على مواقفها السياسية، وهو ما يضع العالم أمام اختبار صعب.
وفي ظل هذا التخبط، اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة الإدارة المشتركة للمضيق لتقاسم الرسوم، في محاولة لنزع فتيل الأزمة اقتصادياً. إلا أن الجانب الإيراني لم يبدِ اهتماماً بهذا العرض، مفضلاً الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة كأداة ضغط سيادية لا تقبل القسمة.
وتسود حالة من القلق لدى دول الجوار من خروج إيران من هذه الحرب وهي تسيطر فعلياً على ممرات تصدير الطاقة الخليجية. هذا التخوف يدفع بعض الدول لتفضيل خيار دفع الإتاوات أو الرسوم على الدخول في تصعيد عسكري قد يؤدي لتدمير منشآت النفط وتحلية المياه الحيوية لديها.
ولا يقتصر التأثير على المنطقة فحسب، بل يمتد للدول الآسيوية والأوروبية التي قد تجد نفسها مضطرة للدفع مقابل عبور الطاقة. ورغم الخشية من ردود فعل واشنطن، إلا أن الحاجة لتأمين إمدادات النفط بأسعار معقولة قد تدفع هذه الدول للمخاطرة وتجاوز العقوبات الأمريكية.
وعلى الصعيد الداخلي، يظهر النظام الإيراني تماسكاً لافتاً رغم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية العميقة. ويرى محللون أن الرهان على انهيار النظام من الداخل قد يستغرق وقتاً طويلاً، بينما تتسارع الوقائع على الأرض لتكريس نفوذه الإقليمي عبر بوابة مضيق هرمز.
إن التدخل البري الأمريكي، في حال حدوثه، سيشكل تصعيداً دراماتيكياً قد يغير وجه المنطقة بالكامل. لكن حتى اللحظة، تبدو الخيارات المتاحة أمام المجتمع الدولي محدودة بين قبول الأمر الواقع أو الدخول في مغامرة عسكرية غير مأمونة العواقب على الأمن العالمي.
ختاماً، فإن احتمال خروج إيران من هذه المواجهة أكثر ثقة ومرارة يمثل سيناريو سيئاً للاقتصاد الدولي والأمن الإقليمي. فامتلاك نظام يوصف بالتشدد لأدوات ضغط مالية بهذا الحجم سيعزز من قدرته على دعم حلفائه في المنطقة وخارجها، مما يجعل من استقرار الملاحة الدولية رهينة للتوافقات السياسية مع طهران.





שתף את דעתך
مضيق هرمز يتحول إلى ورقة ضغط إيرانية: هل تخرج طهران من الحرب بموقع دولي أقوى؟