א 29 מרץ 2026 9:49 am - שעון ירושלים

بين وهم الردع وهول المفاجأة

مرة أخرى سقطنا في الفخ، قراءة لحظة هدوء كنهاية لمسار طويل، بينما هي لا تعدو كونها استراحة محارب يعيد ترتيب أدواته، لملمة جراحه وشحذ عزائمه، مشهد الشمال اليوم يعيد إنتاج الدرس الذي تجاهله كثر قبل السابع من أكتوبر، المعركة مع الاحتلال ليست خطا مستقيما ولا معادلة ردع ثابتة، بل مسار تراكمي يتقدم ويتراجع وفق إيقاع يختلف عن الجيوش التقليدية وتوقعات خبراء الأمن، فالاعتقاد الذي ساد بعد وقف اطلاق النار بان حزب الله دخل دائرة الردع الدائم يعكس خللا بنيويا في فهم طبيعة حركات المقاومة، فما اعتُقد انه ردع كان دورة في صراع اطول، فتم توظيف فترات الهدوء لإعادة بناء القدرات وتطوير التكتيكات وامتصاص الصدمات، منطق يمكن تتبعه تاريخيا عبر تجارب حركات المقاومة التي حولت فترات الهدوء النسبي الى منصات لإعادة الانتشار، عام 2006 بدا ان المعادلة استقرت، بينما تحت الرماد كانت تتشكل بنية عسكرية اكثر تعقيدا وقدرة على المناورة.
 استمر الاحتلال بالوقوع في نمط متكرر من سوء التقدير، قائم على فرضية ان التفوق التكنولوجي والقدرة النارية كفيلان بفرض واقع دائم، فرضية اهتزت مرارا في غزة ولبنان وصولا لصدمة أكتوبر، فكشفت الوقائع ان بنية المقاومة لا تقاس بما يظهر على السطح، بل بقدرتها على إعادة انتاج ذاتها، وهو ما يعيدنا الى اشكاليات عميقة في عقيدة أمنية تقرأ الخصم بمرآة ذاتية، وهو ما لم يقتصر على الاحتلال، فالخطاب العربي ايضا وقع في الفخ، فتعامل مع الهدوء كدليل تراجع، متجاهلا ان حركات المقاومة نشأت في بيئات حرب مفتوحة، وتطورت عبر عقود من الاشتباك، ما جعلها اكثر استعدادا واطول نفسا، فلا تبني استراتيجياتها على ضغوط لحظية، بل على تراكم بطيء للقدرة، وهو ما يفسر قدرتها على قلب معادلات بدت "راسخة".
 التاريخ القريب يقدم أمثلة اوضح، فخلال الانتفاضة الثانية بدا ان الاحتلال نجح في تفكيك البنية التنظيمية للمقاومة، لكنها سرعان ما عادت بأشكال اكثر مرونة وفتكا، وفي العراق، وبعد ان اعتقدت امريكا انها حسمت المعركة عسكريا، فجأة تحول العراق الى ساحة استنزاف اعادت تعريف حدود قوتها، وفي افغانستان استمر هذا الوهم لعقدين قبل ان ينتهي بانسحاب مذل، وامثلة أخرى، وهو ما اعاد طرح السؤال حول حدود التفوق العسكري في مواجهة حركات تمتلك عمقا اجتماعيا وعقائديا، وفي ضوء ذلك لا يمكن قراءة ما يجري اليوم كاستثناء، بل تجسيدا لمنطق التاريخ، وكسرا لفرضية "الاستقرار" القسري التي تم تكريسها، عبر تكتيكات اعادت فتح الجبهات واربكت الحسابات، اسلوب يقوم على استنزاف الخصم تدريجيا بدل مواجهته في معركة فاصلة قد لا تخدمها موازين القوة المادية.
 الابعاد الاقليمية لا تقل اهمية، فالمشهد يعني اعادة خلط الاوراق في منطقة كانت تتجه - نظريا - نحو ترتيبات، ووضعت دولا راهنت على مظلة الحماية الخارجية امام اختبار صعب في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع القدرة الامريكية على فرض ارادتها منفردة، ما يفتح المجال امام قوى اقليمية ودولية لفرض وقائع جديدة.
خلاصة القول ان المنطقة تتجه نحو مرحلة مواجهة منخفضة الوتيرة وطويلة الامد، مع بقاء احتمالات الانفجار الكبير قائمة في حال حدوث خطأ في الحسابات، وستسعى المقاومة لترسيخ معادلات ردع مرنة قائمة على القدرة على المفاجأة وتعدد الجبهات، بينما سيحاول الاحتلال اعادة بناء منظومته الردعية عبر مزيج من القوة العسكرية والضغط السياسي.
 في المقابل تظل الحاجة قائمة لتطوير مقاربات فلسطينية وعربية واسلامية اكثر نضجا، لا تكتفي بمتابعة الاحداث، بل تسعى لفهم ديناميات المعركة، وتسمح ببناء استراتيجيات تستثمر عناصر القوة المتاحة، شعبيا او سياسيا او اعلاميا، فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، بل رواية وإدراك وشرعية، ومن يمتلك القدرة على صياغة سرديته وإدارتها بذكاء، فهو يمتلك جزءا هاما من مفاتيح القوة.
 ما يتكشف اليوم ليس مفاجئا، بل ان كل ما بدا ثابتا كان في الواقع رخوا، والرهان على ان حركات المقاومة قد استنفدت اغراضها رهان تكرر سقوطه، مرة بعد اخرى، امام واقع يذكرنا انها بكل ما راكمته من خبرة وتنظيم وارادة، لم تصل الى اخر ما لديها بعد، ولن تصل!

תגים

שתף את דעתך

بين وهم الردع وهول المفاجأة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.