يصر الحلف الصهيوني الأمريكي على إضفاء صبغة دينية مقدسة على مواجهاته العسكرية، لا سيما في الصراع المحتدم مع إيران. هذا التوجه يعيد إلى الأذهان أدبيات الحملات الصليبية، وهو ما لمحه وزير الحرب الأمريكي في تصريحاته، مما يكشف عن عمق التوظيف الأيديولوجي للدين في السياسة الخارجية الغربية المعاصرة.
لقد عمل الغرب الإنجيلي بشكل منهجي على تجريد الشعوب العربية من مخزونها الروحي، موهماً إياها بأن التقدم والنهضة لا يتحققان إلا بنبذ الدين كلياً. هذا الخطاب صور الدين كعائق أمام التطور، بينما كان الغرب نفسه يستمد قوته وتماسكه من جذوره الدينية التي يحرك بها جيوشه في المنطقة.
إن حركة الاستشراق لم تكن مجرد بحث علمي، بل كانت الذراع الفكرية التي مهدت للاستعمار الأوروبي في العالم الإسلامي. نجحت هذه الحركة في اختراق العقل العربي، وجعلته يرى نفسه من خلال المرايا الغربية، مما أدى إلى تبني التنوير الأوروبي كمرجع وحيد حتى في لحظات الصدام العسكري.
المفارقة تكمن في أن الحروب التي تُشن على أراضينا اليوم، والتي نعد نحن وقودها، تُساق بمبررات ووعود مستمدة من نصوص التوراة والإنجيل. أوروبا التي تدعي الحداثة هي الوريث الحقيقي للعنف الديني، وهي التي صدرت للعالم المعاصر أبشع صور الدموية تحت غطاء الدفاع عن القيم الإنسانية.
لا يكتفي الغرب بممارسة العنف، بل يخلطه بتزييف تاريخي يتهم الآخرين بالتشدد، بينما يحتكر هو لنفسه حق الحديث عن حقوق الإنسان. يبدو الأمر وكأن التاريخ وحقوق البشر لم يبدآ إلا في اللحظة التي قرر فيها الغرب الانتباه إليهما، متجاهلاً إرثاً طويلاً من التدمير الثقافي والمادي.
حتى لو تبنى الفرد رؤية لادينية مطلقة، فإن ذلك لن يغير من نظرة الأعداء إليه كجزء من كيان ديني مستهدف. في المنظور الغربي الصدامي، أنت منتسب للهوية الإسلامية رغماً عنك، وتُعامل كخصم في حرب وجودية تتجاوز القناعات الفردية لتصبح شأناً جماعياً مفروضاً.
الدين في سياق الحروب الكبرى ليس مجرد علاقة خاصة بين العبد وخالقه كما تروج الليبرالية، بل هو أداة تعبئة وحشد. يمكنك أن تعتبر نفسك شيوعياً أو ملحداً، لكنك في أعين القوى الاستعمارية تظل هدفاً للإبادة طالما أنك تنتمي للجغرافيا والثقافة التي يسعون لإخضاعها.
الغرب ينظر إليك كمسلم منخرط في حرب وجودية معه، وجبت إبادتك مهما أظهرت من ولاء أو تمسحت بأعتاب الحداثة.
تعيش بعض النخب العربية حالة من الوهم الفكري، حيث تتمسك بأدبيات حداثية تجاوزها الزمن وتخلى عنها واضعوها الأصليون. هذه النخب تحاول أن تكون ملكية أكثر من الملك، فتقرأ نصوصاً صارت جزءاً من الأرشيف التاريخي وتتعامل معها كحقائق مطلقة غير قابلة للنقاش.
في تونس على سبيل المثال، يظهر التقديس للنصوص الماركسية اللينينية بشكل يفوق أحياناً تمسك المتدينين بنصوصهم. لقد اعتبر البعض هناك أن أي تطوير في الفكر السوفياتي بعد ستالين هو تحريف، متمسكين بنماذج أصولية متخلفة مثل النموذج الألباني، لمجرد أنه حافظ على حرفية النص.
الأصولية ليست حكراً على المتدينين، بل تمتد لتشمل أدعياء التقدمية الذين انغلقوا داخل قراءات مترجمة ومشوهة للنصوص الفكرية. هؤلاء بنوا جداراً عازلاً بينهم وبين واقعهم الاجتماعي والديني، مما جعلهم عاجزين عن إنتاج فكر أصيل يخرجهم من دائرة الاستهلاك الثقافي.
التاريخ يثبت أن القادة البراغماتيين، حتى الأكثر راديكالية منهم، لجأوا للدين في لحظات الخطر الوجودي. جوزيف ستالين نفسه، وفي ذروة الغزو الألماني، اضطر لتخفيف القيود عن الكنيسة الأرثوذكسية واستخدم الخطاب الديني لتحفيز الشعب السوفياتي، مدركاً قوة المحرك الروحي في المعارك المصيرية.
بينما وظفت الحداثة الغربية الدين في المركز لتعزيز قوتها، صدرت للدول التابعة فكرة إنكار الدين كشرط للتقدم. هذا التناقض جعل النخب العربية في حالة 'تسلل' دائم، حيث جعلت من معاداة الدين عقيدة بديلة، دون أن تدرك أن القوى الإمبريالية تتحرك بدوافع خلاصية دينية.
تتجلى المفارقة الكبرى اليوم عندما تحاول هذه النخب التقدمية دعم قوى إقليمية مثل إيران لمجرد معاداتها للإمبريالية. هم يفعلون ذلك بينما يرفضون في الوقت ذاته المنطلقات الدينية التي تقوم عليها تلك القوى، مما يكشف عن تخبط فكري وعدم قدرة على فهم طبيعة الصراع المركب.
إن العقول التي كفت عن النشاط النقدي تجاه الحداثة الغربية وتجاه موروثها الخاص، لم تفلح في كسب رهان الدين ولا رهان الدنيا. يبقى الصراع قائماً بين قوى تستخدم المقدس لتحقيق مصالحها، ونخب محلية تائهة بين تقديس النصوص المستوردة وإنكار الواقع الثقافي لشعوبها.





שתף את דעתך
صراع الهويات والمقدس: كيف يوظف الغرب الدين في حروبه الحديثة؟