بقلم: عصام بكر سكرتير العلاقات الخارجية والإعلام الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين
من المتوقع إقرار قانون إعدام الأسرى بعد مصادقة الهيئة العامة للكنيست "برلمان الاحتلال" خلال الأيام القادمة، وذلك عقب تمريره بالقراءة التمهيدية والأولى، ومصادقة ما يُسمّى لجنة الأمن القومي عليه، وسط تهديدات وتوعّدات من ما يُسمّى وزير الأمن الداخلي بن غفير، الذي تبنّى القانون بعد أن قدّمته عضو الكنيست من حزبه ذاته (العصمة اليهودية) ليمور بن هارميلخ. ويتيح هذا القانون تنفيذ حكم الإعدام رسميًا بحق أسرى على خلفية "تنفيذ أعمال" أدّت إلى مقتل "يهود".
وبشكل مبسّط ومكثّف، يثير هذا القانون العديد من التساؤلات في الأوساط الحقوقية والسياسية، مع تصاعد التحذيرات من تطبيقه المرتقب خلال مدة قصيرة، في ظل تصاعد الأوضاع داخل السجون، وما تقوم به دولة الاحتلال من ممارسات وانتهاكات يومية تمثّل تعدّيات جسيمة على أبسط بنود القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وبالنسبة لهذا القانون، فإنه لا يتطلب "اللطم والندب والعويل"، بل يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير؛ فعلى مدار 28 شهرًا من الإبادة الجماعية في قطاع غزة تحديدًا، نفّذت دولة الاحتلال عمليات إعدام خارج نطاق القانون، من بينها 84 أسيرًا تم تأكيد ارتقائهم، والأعداد مرشّحة للارتفاع بشكل أكبر بكثير مما تم الكشف عنه. وما زالت أعداد أخرى طي الكتمان في السجون السرية أو في حالات الإخفاء القسري، دون الإفصاح الرسمي عنها، وهي تحتاج إلى جهود كبيرة من أجل كشفها.
واللافت في هذا السياق أن منهجية التعذيب وسوء المعاملة المفضي إلى الموت يتم توسيع نطاقها على نحو غير مسبوق خلال الأشهر القليلة الماضية، كما أن ارتقاء هذا العدد من الشهداء في فترة زمنية قصيرة يكشف جزءًا يسيرًا فقط مما يجري داخل السجون، التي تحوّلت فعليًا إلى ميادين للإعدام والتعذيب اليومي والتنكيل المستمر، مع منح صلاحيات واسعة لإدارات السجون دون أي رقابة، لممارسة سياسات الإذلال والقمع التي لا تتوقف.
ومن هنا، فإن تغليف الإعدام بقرار رسمي وتشريعه يطرح تساؤلًا جوهريًا: لماذا الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت تحديدًا؟ وإذا كانت عمليات الإعدام قد نُفذت سابقًا، ففي أي إطار قانوني ستُدرج؟ وهل تمثّل إدانات لدولة الاحتلال؟
في هذا السياق، سيتم التذرّع بالحرب، أي الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وانشغال العالم بالفظائع المرتكبة بحق المدنيين العزّل (نحو 300 ألف شهيد وجريح)، وهو ما يوفّر فرصة سانحة ليس فقط للإفلات من العقاب، وإنما أيضًا لإقرار المزيد من هذه القوانين الفاشية.
وبموجب العديد من التقارير الدولية، بما في ذلك تقرير المقرّرة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أكدت المؤسسات الحقوقية الدولية بشكل جازم ارتكاب ممارسات ترتقي إلى جرائم حرب داخل السجون والمعتقلات، بما فيها الاعتداءات الجنسية، والضرب، والتعذيب، وسوء المعاملة، إضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد والتجويع. وليس هذا فحسب، بل تم تجاوز أدنى بنود اتفاقيات جنيف لعام 1949، والمواثيق الدولية، في تحدٍ واضح للإرادة الدولية.
وبالتالي، ودون الحاجة إلى إقرار قانون الإعدام، فإن توثيق قيام سلطات الاحتلال بعمليات إعدام لمواطنين بعد اعتقالهم أحياء في العديد من المناطق، أو تحت بند "مقاتل غير شرعي"، أمام شاشات التلفاز خلال الأشهر الماضية، هو أمر معروف تمامًا، ولا يمكن إنكاره أو القفز عنه.
لكن الجديد هذه المرة يكمن في أن الإعدام سيُقدَّم بغلاف "شرعي"، أي بوجود منظومة برلمانية وتشريعية تقف خلفه، وتتبنّاه، وتدافع عنه أمام الجهات الدولية باعتباره "تنفيذًا لقانون بحق مجرمين"، في محاولة لإسقاط مشروعية النضال الوطني الفلسطيني برمّته، رغم أن هذا النضال تحميه القرارات الدولية، والأمم المتحدة، والشرعية الدولية، ضمن حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وتحرير أراضيها المحتلة، إلى جانب حقها في اختيار وممارسة أشكال النضال المختلفة لتحقيق الاستقلال وتقرير المصير والسيادة الوطنية.
أما هذا القانون، فدون الحاجة إلى الخوض في مثالبه وبنوده، أو ما يحمله من إمعان رسمي في إزهاق أرواح الأسرى، أو حتى في تفاصيل الأعداد التي يشملها، أو المدد الزمنية المخادعة للاعتراض، أو طريقة "فبركة" عرض الأسير أمام المحاكم والقضاء المتورط في التغطية على العديد من جرائم الاحتلال، فإنه جاء لتحقيق عدة أهداف.
وفي مقدمة هذه الأهداف: ضرب مشروعية النضال الوطني، وتشكيل عامل تخويف إضافي للحد منه، على غرار سياسات هدم البيوت، والعقوبات الجماعية، والإغلاقات، وغيرها من الأدوات القمعية. كما يسعى إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني بالقوة الغاشمة، وإثبات أن الاحتلال قادر على تنفيذ الإعدامات والمجازر والتهجير دون اعتبار للقوانين أو المواثيق الدولية.
ومن بين أهدافه أيضًا التغطية على جرائم الإعدام السابقة، وتأمين الحماية للجنود وإدارات السجون، الذين قد يُدرجون مستقبلاً على قوائم العقوبات الدولية، ولو بعد حين.
إنها أيام قليلة ربما تفصلنا عن دخول هذا القانون حيّز التنفيذ، رغم أنه طُبّق فعليًا قبل إقراره بحق عشرات المواطنين، كما أن بدء تنفيذه الرسمي لن يستغرق وقتًا طويلًا.
لكن، في المقابل، بات مطلوبًا اليوم وضع خطة تحرّك فاعلة، موحّدة، وشاملة، واسعة النطاق، على مختلف المستويات، تشمل القوى السياسية، والمؤسسات الحقوقية والإنسانية والأهلية، والهيئات واللجان، إضافة إلى السفارات والممثليات والبعثات، والعمل على إدراجه على أجندة الاهتمام الدولي، بوصفه قانونًا مناهضًا للإنسانية، في ظل الانشغال العالمي بالحرب المشتعلة في المنطقة والأزمات الاقتصادية المتفاقمة.
ورغم كل ذلك، تبقى هناك حاجة ملحّة تفرض على الجميع عدم تغييب هذه القضية، التي تتطلب الشروع في جهد جدي ومثابر، رسمي وشعبي، محلي ودولي، وصولًا إلى موقف دولي واضح يمنع تنفيذ هذا القانون، ويُجبر دولة الاحتلال على وقفه.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتطلب أيضًا العمل على تطبيق القانون الدولي لمحاسبة قوة الاحتلال على جرائمها التي لا تسقط بالتقادم، وفتح ملف الإعدامات والاغتيالات الميدانية، ومسلسل القتل، وإبادة الأسر، كما جرى في طمون قبل أيام.
ومن الأهمية بمكان إطلاق حملة واسعة النطاق على مستوى البرلمانات الدولية، لدفعها إلى تحرك فاعل لمقاطعة كنيست الاحتلال في ظل حكومة اليمين المتطرف، والعمل على فرض عقوبات دولية رادعة.
فبدون تحرك جدي ووازن وواسع، سيبقى هذا القانون خاضعًا لنقاش شكلي في جوهره، دون اعتراض يُذكر، ليتم إقراره ويصبح نافذًا.
إننا لا نريد أن نرى جثامين الأسرى معلّقة على أعواد المشانق، بل نريد أن نراهم بيننا، يتمتعون بالحياة بين أهلهم وأحبّتهم، ويحتضنون أطفالهم؛ فهذا هو ما ينتظره الأسير الذي أمضى عمره متمسكًا بحلم الاستقلال والتحرر.





שתף את דעתך
بين الإعدام وقانون الإعدام