يرى الكاتب ديفيد برومويتش أن السلوك السياسي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جعل من المستحيل استمرار 'الثقة المشتركة' التي تعد الركيزة الأساسية للدبلوماسية الدولية. واعتبر برومويتش أن العالم بات اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما الاستسلام التام للإرادة الأمريكية أو تعزيز القدرات العسكرية استعداداً لمواجهات محتملة.
وأشار الكاتب في مقال تحليلي موسع إلى أن عملية اغتيال قادة إيرانيين في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، والتي نفذت عبر هجوم مشترك، جاءت ضمن نمط متكرر تستخدم فيه واشنطن المفاوضات كغطاء لعمليات مباغتة. وشبه هذا السلوك بأحداث تاريخية كبرى مثل غزو ألمانيا لبولندا عام 1939، وغزو العراق عام 2003، وصولاً إلى الحرب الروسية الأوكرانية.
وأكد التحليل أن الإدارة الأمريكية الحالية انخرطت فيما وصفه بـ 'حرب عدوانية غير قانونية'، سبقتها خطوات تمهيدية شملت عمليات تصفية بطائرات مسيرة في منطقة الكاريبي. كما لفت إلى حوادث اختطاف رئيس فنزويلا والاستيلاء على ناقلات نفط، معتبراً هذه الأعمال أقرب إلى ممارسات القرصنة الدولية منها إلى سياسات الدول.
وبحسب المقال، فإن الرسالة الموجهة للمجتمع الدولي بعد الهجمات الأخيرة على إيران أصبحت واضحة تماماً ولا تحتمل التأويل. فالدول التي تطمح للحفاظ على سيادتها خارج نطاق النفوذ الأمريكي المباشر لن تجد نفعاً في الجلوس إلى طاولة المفاوضات، حيث لم يعد هناك مجال للثقة في الالتزامات الأمريكية.
واستشهد برومويتش برؤية الفيلسوف السياسي نيكولو ميكافيللي، الذي حذر من أن الحاكم قد يكون مخيفاً لكن عليه تجنب التحول إلى كيان مكروه بالكامل. ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة قد تجاوزت هذا الخط بالفعل، مما يضع شرعيتها الدولية في مهب الريح أمام شعوب العالم.
ويرصد المقال تدهوراً حاداً في صورة الولايات المتحدة عالمياً منذ حروب ما بعد أحداث 11 سبتمبر، وتحديداً غزو العراق الذي استند إلى مبررات واهية. وقد أظهرت استطلاعات رأي عالمية أن واشنطن باتت تُصنف كأكبر تهديد للسلام العالمي، متفوقة في ذلك على خصومها التقليديين في الشرق والغرب.
وعلى الصعيد الداخلي، يرى الكاتب أن بناء 'الإمبراطورية الخارجية' أدى بالضرورة إلى تآكل الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة نفسها. وبدأ هذا المسار مع قانون 'باتريوت آكت' الذي وسع صلاحيات المراقبة الأمنية بشكل غير مسبوق، مما حول المجتمع الأمريكي إلى ساحة مراقبة دائمة.
الدول التي تسعى للبقاء خارج النفوذ الأمريكي المباشر لن تجد جدوى من التفاوض مع واشنطن، لأن البيئة السياسية الحالية تفرض خيارين: الخضوع أو التسلح.
وأوضح التحليل أن الإدارات الديمقراطية والجمهورية تعاقبت على استخدام الطائرات المسيرة في عمليات اغتيال خارج إطار القانون الدولي والعلني. ومع عودة ترامب، توسعت سياسات الاعتقال والهجرة القسرية، مما جعل أدوات 'الحرب على الإرهاب' ترتد لتطبق على الداخل الأمريكي وضد معارضي السياسات الرسمية.
وحذر برومويتش من أن السلطة الرئاسية في واشنطن، التي صممها الدستور لتكون مقيدة برقابة الكونغرس، أصبحت تميل بشكل خطير نحو المركزية المطلقة. وتراجعت الرقابة التشريعية على قرارات الحرب والسلم، مما منح الرئيس صلاحيات تشبه صلاحيات الأباطرة في العصور القديمة.
ويتناول المقال جذور التوتر المزمن مع إيران، مذكراً بالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي خلال ولاية ترامب الأولى وما تبعه من تجميد للدبلوماسية في عهد بايدن. ويربط الكاتب هذه الأحداث بسلسلة تاريخية بدأت منذ انقلاب عام 1953 المدعوم من الاستخبارات الأمريكية ضد الحكومة الإيرانية الشرعية.
وفيما يخص الحلفاء الأوروبيين، يشير التحليل إلى أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا باتت تتصرف كقوى تابعة سياسياً وعسكرياً للقرار الأمريكي. وهذا التبعية تعزز منطق الهيمنة الأحادية في الحروب الحديثة، وتجعل من الصعب نشوء قطب دولي يوازن التهور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط.
كما نبه الكاتب إلى أن واشنطن تواصل تبني خطاب 'الحروب الحضارية' ونشر الديمقراطية بالقوة، وهو خطاب يستحضر حقبة الاستعمار البريطاني القديم. ويرى أن هذا النهج لا يهدف لنشر القيم بقدر ما يهدف لتثبيت المصالح الاقتصادية والعسكرية تحت غطاء أخلاقي زائف.
ويخلص المقال إلى أن استمرار هذا المسار سيجعل الولايات المتحدة توصف عالمياً بأنها 'أخطر دولة'، ليس فقط لقوتها التدميرية، بل لفقدانها المصداقية. فالدبلوماسية التي كانت أداة لحل النزاعات تحولت في يد واشنطن إلى فخ لاستدراج الخصوم قبل توجيه الضربات العسكرية.
وفي الختام، يحذر برومويتش من أن هذا النهج الإمبراطوري قد يقود إلى انحدار داخلي وخارجي لا يمكن إيقافه ما لم تتم مراجعة دور أمريكا في العالم. إن التمسك بمنطق الحروب الدائمة سيؤدي في النهاية إلى عزلة واشنطن وانفجار الأزمات داخل حدودها نتيجة استنزاف الموارد في صراعات لا تنتهي.





שתף את דעתך
تحليل: الولايات المتحدة تضع العالم أمام خيارين.. الخضوع أو التسلح