الحرب في إيران
إن التراجع المفاجئ للرئيس ترامب عن تهديده بتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، لم يكن ينبغي أن يفاجئ أحدًا. فترامب هو أكثر القادة تقلبًا في العالم. صورته الذاتية كصانع صفقات مهيمن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوة والمال. وعندما بدأت الحرب في إيران تؤثر على أسعار النفط وتُربك وول ستريت، اتضح أن للتصعيد حدودًا. يمكن لترامب دائمًا أن يبرر التراجع من خلال تقديم نفسه بوصفه المفاوض الأمثل. في نظره، الصفقات هي نتاج القوة. و"السلام من خلال القوة" ليس مجرد شعار، بل هو أسلوب عمله.
هل تشعر إسرائيل بالرضا عن قيام الولايات المتحدة بالتفاوض لإنهاء الحرب مع إيران؟ من الواضح أن الإجابة هي لا. لكن عندما يحدد ترامب توجهه، لا يملك نتنياهو سوى هامش ضيق للمناورة. وحتى في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، تبقى القنوات الدبلوماسية الأمريكية مفتوحة—كما يتضح من الطائرة الإيرانية التي غادرت إلى باكستان لمواصلة المفاوضات دون أن يتم اعتراضها.
يجب أن نطرح بعض الأسئلة الأساسية. هل كانت هذه حربًا ضرورية؟ أعتقد أنها لم تكن كذلك. هل تشكل إيران تهديدًا حقيقيًا لإسرائيل والمنطقة؟ بالتأكيد. هل يشكل النظام الإيراني خطرًا على شعبه؟ أعتقد ذلك. هل سيستفيد العالم من إيران ديمقراطية؟ بلا شك. لكن هل ستؤدي هذه الحرب إلى تغيير النظام؟ من غير المرجح.
هل يمكن للحرب أن تزيل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب؟ ربما، ولكن فقط إذا حافظت الولايات المتحدة على الضغط. هل يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تضمن مرور النفط بأمان عبر مضيق هرمز؟ لا، فهذا يتطلب موافقة إيران. وفي النهاية، سيقرر ترامب متى تم تحقيق ما يكفي وسيعلن النصر.
بالنسبة لإسرائيل، قد يعني "النصر" إزالة اليورانيوم عالي التخصيب وفرض قيود على برنامج الصواريخ الإيراني. لكن النظام سيبقى على الأرجح، وربما يصبح أكثر تطرفًا. وسيُعدّ ذلك فشلًا استراتيجيًا لإسرائيل، وكذلك للولايات المتحدة، وللشعب الإيراني.
هل هناك نهاية دبلوماسية؟ كان هناك بالتأكيد مسار دبلوماسي لمنع الحرب. أما إنهاؤها دبلوماسيًا فهو أكثر تعقيدًا، لكنه ضروري. وربما يكون ترامب وحده القادر على تحقيق ذلك. ما الذي أثر على قراره؟ أسواق النفط، وول ستريت، ودور الفاعلين الإقليميين: السعودية، والإمارات، وقطر—الذين ساهم تأثيرهم أيضًا في إنهاء الحرب في غزة.
الحرب مع حزب الله
هناك مسار دبلوماسي واضح لإنهاء الحرب مع حزب الله، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت حتى الآن السير فيه. يتمثل هذا المسار في المبادرة الفرنسية، التي تتطور تدريجيًا لتصبح مبادرة مشتركة أمريكية–فرنسية—وربما تُعرف في النهاية بمبادرة ترامب.
تبدأ الخطة بوقف فوري لإطلاق النار، انطلاقًا من أن أي عملية سياسية لا يمكن أن تتقدم في ظل القتال. وترى فرنسا، عن حق، أن نزع سلاح حزب الله غير ممكن بينما يتعرض لبنان للهجوم.
تقترح المبادرة عملية تدريجية: مفاوضات بين إسرائيل ولبنان، ربما في باريس أو في الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء وتطبيق معزّز لقرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006. ومن العناصر الأساسية نشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان ليحل محل حزب الله. ويُفترض أن يتم ذلك بدعم دولي بقيادة الولايات المتحدة لتعزيز الحكومة اللبنانية برئاسة جوزيف عون ورئاسة الوزراء لنواف سلام، وهما يُنظر إليهما كخصمين لحزب الله. كما تفترض الخطة انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من جنوب لبنان.
وخلال فترة زمنية محددة، يُتوقع أن يتخلى حزب الله عن سلاحه مع تعزز مؤسسات الدولة اللبنانية، وخاصة الجيش. كما تفتح المبادرة الباب أمام إمكانية تطبيع العلاقات بين إسرائيل ولبنان بعد التوصل إلى اتفاق أمني–عسكري.
يشكل هذا اختبارًا حاسمًا لترامب. فإذا تبنى هذا الإطار، يمكنه دفع إسرائيل إلى إنهاء عملياتها العسكرية وقبول تسوية حدودية. لكن التحديات كبيرة: رفض إسرائيل، وعدم استعداد حزب الله لنزع سلاحه، وضعف الدولة اللبنانية. ومع ذلك، توفر الخطة بديلًا منظمًا للحرب المستمرة، وتؤكد حقيقة أساسية: الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا من خلال اتفاق سياسي.
نتنياهو ومساعي ترامب للسلام
تظل حكومة نتنياهو مقتنعة بأن القوة العسكرية يمكن أن تحقق نصرًا حاسمًا على إيران وحزب الله وحماس. وقد شكّل هذا الاعتقاد الاستراتيجية الإسرائيلية على جميع الجبهات. ومع ذلك، لم يستسلم أي من هذه الأطراف. فقد تعرضت إيران وحزب الله وحماس لضربات قاسية، لكنها تواصل القتال.
كما أن هناك أصواتًا في المنطقة تدعو ترامب إلى عدم الاكتفاء بنتائج جزئية. فقد دعا أنور قرقاش، المستشار البارز لرئيس دولة الإمارات، إلى أن تنتهي الحرب ليس بوقف إطلاق النار فقط، بل باحتواء البرنامج النووي الإيراني وقدراته الصاروخية ونفوذه الإقليمي. وإذا تمكن ترامب من تحقيق ذلك، فسيحظى بدعم إقليمي واسع—ربما باستثناء نتنياهو. لكن نتنياهو في النهاية لا يستطيع تحدي قرارات ترامب.
غزة
على الرغم من الانطباعات السائدة، تظل غزة محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية. تسعى واشنطن إلى المضي قدمًا في المرحلة الثانية من خطتها، بما في ذلك ترتيبات نزع سلاح حماس. وقد قُدّم مؤخرًا مقترح بهذا الشأن إلى قيادة حماس في القاهرة من قبل المندوب الدولي نيكولاي ملادينوف. ورغم أن المسؤولين الأمريكيين لم يلتقوا حماس مباشرة، فقد تواصلوا مع وسطاء من قطر ومصر وتركيا.
لكن الوقت ينفد. غزة لا يمكنها الانتظار. فقد ملأت حماس فراغ السلطة رغم السخط الشعبي الواسع. وأصبحت القيادة الخارجية أقل تأثيرًا، بينما تنتقل مراكز القرار إلى الداخل. على الولايات المتحدة أن تنخرط مباشرة مع القيادة داخل غزة، ومن الواضح أنها مستعدة لذلك.
وإذا لم يتحسن الوضع قريبًا، فقد تستغل إسرائيل الفرصة للعودة إلى حرب شاملة. وإذا انتهت جبهتا إيران ولبنان تحت ضغط أمريكي، فقد تحصل إسرائيل على ضوء أخضر من ترامب لتصعيد العمليات في غزة.
حدود القوة العسكرية
في إيران ولبنان وغزة، تتضح حدود القوة العسكرية بشكل متزايد. فالقوة قد تُضعف الخصوم، لكنها لا تقضي عليهم ولا تحل جذور الصراع. تبقى الحلول السياسية هي الطريق الوحيد لتحقيق استقرار دائم.
قد ينجح نهج ترامب، القائم على القوة والصفقات، في تحقيق نتائج دبلوماسية. لكن ذلك يعتمد على قدرته على تحويل النفوذ العسكري إلى اتفاقات سياسية مستدامة. البديل واضح: دورات متواصلة من الحروب دون نهاية حاسمة.
يريد ترامب أن يُذكر كرئيس صانع للسلام—ولديه القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى دبلوماسية فعّالة.





שתף את דעתך
أفكار حول الحروب في إيران ولبنان وغزة