لم تكن أزمة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مجرد حرب على قناة السويس، ولا مجرد رد فعل على قرار سيادي اتخذه الزعيم المصري جمال عبد الناصر بتأميم القناة. كانت، في جوهرها، لحظة تاريخية فاصلة انكشف فيها التناقض الجوهري داخل الإمبريالية البريطانية نفسها. فالإمبراطورية التي حكمت البحار لقرون، والتي اعتادت فرض إرادتها على العالم، وجدت نفسها فجأة عاجزة عن مواصلة مشروعها العسكري دون موافقة مركز القوة الجديد في النظام الرأسمالي العالمي، أي الولايات المتحدة الأمريكية.
لم تكن الهزيمة التي منيت بها بريطانيا وحلفاؤها (فرنسا وإسرائيل) هزيمة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل كانت هزيمة بنيوية بامتياز: انهيار قدرة رأس المال البريطاني على الاستمرار كقوة مهيمنة مستقلة في النظام العالمي الذي أعادت تشكله الحرب العالمية الثانية. لقد أثبتت الأزمة أن بريطانيا، رغم ترسانتها العسكرية وحلفائها الأوروبيين، لم تعد قادرة على خوض حرب كبرى ضد إرادة واشنطن، وأن عصر الإمبراطوريات المنفردة التي تحكم بالقوة البحتة قد ولى بلا رجعة.
لا تُقاس قوة الإمبراطوريات بعدد جنودها، ولا بحجم أساطيلها، بل بقدرتها على تنظيم علاقات الإنتاج العالمية، والسيطرة على تدفقات رأس المال، وفرض شروط إعادة إنتاج النظام الرأسمالي على نطاق دولي. وهنا تحديدًا سقطت الإمبراطورية البريطانية. فمع صعود الرأسمالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، انتقل مركز الثقل الجيوسياسي والاقتصادي من لندن إلى واشنطن، ومن الجنيه الإسترليني إلى الدولار كعملة احتياط عالمية. جاءت حرب السويس بمثابة محاولة يائسة من برجوازية بريطانية متراجعة لاستعادة موقعها التاريخي وانتزاع لحظة انتصار تعيد الاعتبار لدورها المتراجع، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا لتلك التطلعات: فقد كرست الحرب التبعية الكاملة للندن للنظام الذي تقوده واشنطن، وأظهرت للعالم أن بريطانيا لم تعد أكثر من حليف تابع في معسكر الغرب.
اليوم، وبعد اندلاع المواجهة العسكرية المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، ولكن في سياق تاريخي مختلف وأكثر تعقيدًا: هل نحن أمام "لحظة سويس" أمريكية؟ أي هل نشهد اليوم بداية انكشاف التناقضات الداخلية للإمبراطورية الأمريكية، كما انكشفت بريطانيا قبل سبعين عامًا؟
من الواضح أن الولايات المتحدة لا تشبه بريطانيا في منتصف القرن العشرين من حيث الحجم الهائل لقوتها العسكرية، أو من حيث نفوذها الاقتصادي، أو قدرتها على ضبط النظام المالي العالمي. لكنها تشترك مع بريطانيا في سمة حاسمة قد تكون قاتلة: الاعتماد على نظام عالمي معقّد ومتشابك لتثبيت هيمنتها وإعادة إنتاجها. هذا النظام، الذي يقوم على ثلاث ركائز أساسية هي البترودولار (أي تسعير النفط بالدولار وربط الاقتصاد العالمي بالعملة الأمريكية)، وسلاسل التوريد العالمية المعقدة التي تمتد عبر القارات، والتحالفات العسكرية الواسعة (كالناتو وقواعد الانتشار في آسيا والشرق الأوسط)، ليس تعبيرًا عن قوة مطلقة تمتلكها واشنطن، بل هو بالأحرى تعبير عن توازن هشّ بين مراكز متعددة ومتنافسة لرأس المال العالمي. وهو توازن يمكن أن يختل بسرعة إذا ما تعرض لصدمة كبرى.
وهنا يكمن التناقض المركزي الذي تعيشه الإمبراطورية الأمريكية اليوم.
فالحرب على إيران لم تأتِ في فراغ سياسي أو استراتيجي، بل انفجرت في قلب شبكة إقليمية ودولية معقدة ومتداخلة المصالح. إيران ليست دولة معزولة يمكن إخضاعها بضربة عسكرية حاسمة واحدة، كما حدث مع العراق في 2003. إيران فاعل مركزي داخل بنية ممتدة من القوى والتحالفات الإقليمية، تمتد من العراق ولبنان وسوريا إلى اليمن والخليج. ومع اتساع رقعة المواجهة وتشعب جبهاتها، بدأت تظهر التداعيات التي تتجاوز كل الحسابات العسكرية المباشرة: اضطراب خطير في أسواق الطاقة العالمية، تصعيد عسكري عبر قوى وسيطة في أكثر من بلد، واحتكاك متزايد مع قوى دولية كبرى (مثل الصين وروسيا) تسعى بذكاء إلى استغلال هذه المواجهة لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية لصالحها.
وهنا تحديدًا تبرز المقارنة المادية الأكثر وضوحًا وجسامة بين اللحظتين التاريخيتين: كما كان قناة السويس في 1956 شريانًا حيويًا للتجارة العالمية والملاحة الدولية، فإن مضيق هرمز اليوم يمثل أحد أهم شرايين تدفق النفط والغاز في العالم، بل يمكن القول إنه أهم نقطة عبور للطاقة على وجه الأرض. إغلاق القناة آنذاك عطّل حركة التجارة والطاقة بين أوروبا وآسيا، وكشف بوضوح هشاشة البنية الاقتصادية التي كانت تعتمد عليها الإمبراطورية البريطانية في إدارة مستعمراتها ومصالحها. واليوم، ومع إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز جزئيًا أو كليًا، وارتفاع أسعار النفط العالمية إلى تجاوز ال 100 دولار للبرميل وما فوق، يتكرر المشهد نفسه، لكن في صيغة أكثر تعقيدًا وخطورة بكثير: اختناق في شريان الطاقة العالمي ينعكس فورًا على كل اقتصاد مرتبط بالنظام الرأسمالي المعولم، من طوكيو إلى برلين، ومن بكين إلى نيويورك.
في الحالتين، لم تكن المسألة مجرد معركة عسكرية بين جيشين، بل كانت صراعًا على عقدة مركزية في شبكة الاقتصاد العالمي. وإذا كان إغلاق السويس قد ساهم في تسريع عملية انكشاف العجز البريطاني وتسريع انحسار دورها العالمي، فإن اضطراب مضيق هرمز اليوم يكشف بلا مواربة مدى اعتماد النظام الذي تقوده الولايات المتحدة على استقرار لا تملك واشنطن السيطرة الكاملة عليه، بل هو استقرار يتوقف على توازنات دقيقة مع قوى إقليمية ودولية لا يمكن ترويضها بالقوة وحدها.
هنا تتجلى المفارقة التاريخية العظمى: كلما لجأت الإمبراطورية إلى القوة العسكرية لحماية نظامها ومصالحها، كشفت في الوقت نفسه حدود هذا النظام وهشاشته. فالحرب لم تعد، كما كانت في القرون السابقة، أداة فعالة لإعادة إنتاج الهيمنة وفرض الإرادة، بل قد تتحول إلى أداة استنزاف خطيرة لرأس المال، وإلى عامل تسريع في تفكك البنية المعقدة التي تستند إليها تلك الهيمنة. فكل قنبلة تُلقى، وكل ناقلة نفط تُستهدف، وكل سعر برميل يرتفع، إنما هو دليل إضافي على أن الإمبراطورية تدفع ثمناً باهظاً للحفاظ على وضع تتحول تكاليفه إلى عبء لا يُطاق.
التاريخ لا يكرر نفسه بشكل ميكانيكي أو حرفي، بالطبع، لكنه يعلّمنا أن الإمبراطوريات، مهما بلغت من القوة والعظمة والتغطرس، تحمل في داخلها بذور وشروط سقوطها. فهي، في لحظة تاريخية معينة، تبدأ بالعمل عكس التيار الإنساني العام، فتتحول من قوة تاريخية صاعدة ومدافعة عن نظام متجدد إلى عبء على حركة التاريخ نفسها. تصبح قوة كابحة، معرقلة، تدفع ثمناً متزايداً لمجرد البقاء في المكان نفسه.
وإذا كان التاريخ الحضاري والثقافي لإيران يمتد لآلاف السنين، فإنه لم يكن نموذجًا مثاليًا للعدالة الاجتماعية بالمعنى الحديث، ولم يكن اشتراكيًا في أي مرحلة من مراحله، لكنّه أيضًا لم يتشكل تاريخيًا كإمبريالية توسعية قائمة على استنزاف محيطها البشري والاقتصادي بالشكل الذي عرفته الإمبراطوريات الغربية الحديثة (البريطانية والفرنسية ومن بعدها الأمريكية). وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، برز خطاب سياسي وأخلاقي يضع نفسه في موقع مناصرة "المستضعفين" في العالم، والدفاع عن قضايا التحرر الوطني في مواجهة الهيمنة الغربية، وهو ما يعكس، بغض النظر عن التقييم السياسي لهذا الخطاب أو تناقضاته الداخلية، اتجاهًا مختلفًا في تصور العلاقة مع العالم، اتجاهًا يطرح نفسه كبديل أخلاقي للنموذج الإمبريالي المهيمن.
هذا التباين الحضاري يعكس صراعًا أعمق من مجرد مواجهة عسكرية حدودية: إنه صراع بين نموذجين حضاريين، أحدهما نشأ وترعرع في سياق إمبريالي توسعي قائم على الاستغلال والهيمنة، والآخر يطرح نفسه، نظريًا على الأقل، كبديل أخلاقي أو مقاومة فعالة لذلك النموذج. إنها معركة بين منطق "فرض الإرادة" ومنطق "مقاومة الإرادة المفروضة".
من هنا، لا يمكن فهم هذه الحرب إلا باعتبارها اختبارًا تاريخيًا لشكل الإمبريالية المعاصرة وحدودها. فإما أن تنجح الولايات المتحدة، عبر مزيج من القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتحالفات الدبلوماسية، في إعادة فرض توازن يخدم استمرار هيمنتها على المنطقة والعالم، وهو احتمال يزداد صعوبة وتعقيدًا مع مرور الأيام، وإما أن تكشف هذه المواجهة الطويلة والشاملة حدود تلك الهيمنة وهشاشتها، تمامًا كما كشفت أزمة السويس حدود الإمبراطورية البريطانية قبل سبعة عقود.
وإذا تأملنا الدرس السويسي جيدًا، سنجد أن حرب 1956 لم تكن نهاية الإمبراطورية البريطانية المفاجئة، بقدر ما كانت إعلانًا رسميًا عن نهايتها، أي اللحظة التي أصبح فيها العالم يدرك أن بريطانيا لم تعد القوة العظمى التي كانت عليها. وربما تكون هذه الحرب الإيرانية اليوم لحظة مشابهة: ليس سقوط الإمبراطورية الأمريكية بالضرورة، بل اللحظة التي يبدأ فيها العالم بالتعامل مع الولايات المتحدة كقوة لم تعد قادرة على فرض إرادها كما في السابق، كلحظة بداية انكشاف حدودها أمام عالم لم يعد يدار من مركز واحد، وأصبحت فيه مراكز القوى متعددة ومتنافسة، وقادرة على استغلال أخطاء الإمبراطورية لصالحها.
ד 18 מרץ 2026 9:58 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
سويس 1956 وهرمز 2026: لحظة انكشاف الإمبراطورية.. واشنطن لم تعد قادرة على فرض إرادتها