لم تعد أخطر انتصارات الاحتلال تتحقق في الميدان العسكري، بل في ميدان الوعي. فالحروب الحديثة لا تُكسب فقط بالدبابات والطائرات، بل بالعقول التي يُعاد تشكيلها، وبالقلوب التي يُعاد توجيه غضبها نحو أهداف خاطئة.
لقد أدرك الاحتلال مبكراً أن كسر الأمة العربية والإسلامية لا يحتاج دائماً إلى حرب مباشرة، بل إلى تفكيكها من الداخل، وإعادة تعريف العدو والصديق في وعيها الجمعي. فحين ينجح العدو في إقناعك بأن أخاك هو خصمك، وأن جارك هو تهديدك، وأن ابن جلدتك هو سبب أزماتك، فإنه يكون قد ربح نصف المعركة دون أن يطلق رصاصة واحدة.
هذه ليست صدفة. إنها هندسة صراع متعمدة.
تقوم استراتيجية الاحتلال وحلفائه على مبدأ بسيط لكنه بالغ الخطورة: نقل مركز الصراع من مواجهة الاحتلال إلى مواجهة داخلية بين أبناء الأمة نفسها. وصناعة العدو الوهمي.
بدلاً من أن تبقى البوصلة متجهة نحو الاحتلال والاستعمار الحديث، يتم إعادة توجيهها نحو صراعات مذهبية، طائفية، سياسية، وحتى ثقافية. فجأة يصبح الخطر الأكبر في وعي بعض الناس ليس الاحتلال، بل أخوه المختلف معه سياسياً، أو مذهبياً، أو حتى جغرافياً.
وهكذا تتحول الأمة إلى جزر متصارعة، يتبادل أبناؤها الاتهامات والتخوين، بينما يقف الاحتلال في الخلفية مراقباً المشهد، مستفيداً من كل كلمة كراهية، وكل شرخ جديد. إنها سياسة تحويل الضحية إلى خصم لنفسها.
الإعلام كأداة تفكيك
لم يكن الإعلام بعيداً عن هذه اللعبة. فبدلاً من أن يكون منبراً للوعي، تحوّل جزء منه إلى ساحة صراع مفتوحة بين أبناء الأمة.
برامج حوارية تقوم على الصراخ، منصات رقمية تبني جمهورها على التحريض، وخطابات سياسية تستثمر في الكراهية لأنها الطريق الأسرع إلى الشعبية.
في هذه البيئة المسمومة، يصبح من السهل أن تتضخم الخلافات الطبيعية بين الدول أو التيارات لتتحول إلى عداوات وجودية.
تختفي فلسطين من النقاش، ويختفي الاحتلال من الخطاب، ويصبح السؤال الأكبر:
من هو الخائن؟ ومن هو العدو الداخلي؟ وهنا ينجح العدو الحقيقي في أهم أهدافه، أن يجعلك تقاتل معركة لا تخدم إلا مشروعه.
أخطر ما في هذه المعادلة ليس مجرد الخلاف، فالأمم بطبيعتها تختلف.
الخطر الحقيقي هو تحويل الخلاف إلى كراهية وجودية، و يصبح الأخ عدواً.
حين يُقنعك أحدهم أن عدوك الحقيقي ليس من يحتل أرضك، ولا من يقصف مدنك، ولا من يسلب حقوقك، بل أخوك الذي يشبهك في اللغة والدين والتاريخ، فاعلم أن هناك خللاً عميقاً أصاب البوصلة.
هذه ليست مجرد أزمة سياسية، بل أزمة وعي حضاري.
فالأمم القوية قد تختلف، لكنها لا تسمح للخلاف أن يتحول إلى حرب هوية بين أبنائها. أما الأمم التي تُستدرج إلى هذا الفخ، فإنها تتحول تدريجياً إلى ساحة صراع دائم يستنزف طاقتها ويبدد قوتها.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل عاقل اليوم ليس:
من انتصر في هذا الجدل أو ذاك؟
بل السؤال الحقيقي هو: من المستفيد من انقسامنا؟
و من يخدم هذا المشهد؟
من المستفيد حين تنشغل الشعوب العربية والإسلامية بخصومات داخلية لا تنتهي؟
من المستفيد حين تتحول طاقات الشباب إلى حملات كراهية متبادلة؟
من المستفيد حين يصبح الحديث عن الاحتلال أقل حضوراً من الحديث عن الخلافات البينية؟
الإجابة واضحة لمن يريد أن يرى: كل انقسام بيننا هو مساحة نفوذ إضافية للاحتلال.
استعادة البوصلة
لا يعني ذلك أن تتوقف الخلافات أو تختفي الاختلافات السياسية، فهذه طبيعة الحياة السياسية.
لكن الفرق كبير بين إدارة الخلاف وبين تحويله إلى حرب كراهية.
المطلوب اليوم ليس إلغاء التعددية، بل إعادة ترتيب الأولويات. فحين تكون الأرض محتلة، والحقوق مسلوبة، والشعوب مهددة، فإن تحويل الصراع إلى معركة داخلية هو أخطر أشكال الهزيمة.
إن أخطر ما يمكن أن ينجح فيه العدو هو أن يجعلك تؤمن بأن عدوك الحقيقي ليس هو. وحين تصل الأمة إلى هذه المرحلة، تصبح المعركة الأولى ليست تحرير الأرض، بل تحرير الوعي.
فالأمم لا تُهزم حين تخسر معركة،
بل تُهزم حين تفقد القدرة على معرفة من هو عدوها الحقيقي.
ד 18 מרץ 2026 9:51 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
حين ينجح العدو في تغيير بوصلتنا: كيف تتحول الأمة إلى ساحة حرب بالوكالة؟