ד 18 מרץ 2026 3:49 am - שעון ירושלים

حروب إسرائيل المفتوحة: عدوانية متجذّرة ومنطق إخضاع دائم

واشنطن – سعيد عريقات – 18/3/2026


تحليل إخباري


منذ نشأتها، لم تتصرف إسرائيل بوصفها دولة تكتفي بالدفاع كما تعلن، بل اتسم سلوكها بنزعة هجومية متكررة، غالبًا ما استندت إلى ذرائع قابلة للتأويل لتبرير شن الحروب، في ظل إدراك راسخ بأن الولايات المتحدة ستوفر لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا واسعًا. هذا الإدراك لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل شكّل عنصرًا بنيويًا في صياغة عقيدتها الأمنية، حيث تقلّ كلفة المبادرة العسكرية مع ضمان الغطاء الأميركي، ما عزز تفضيل الفعل الهجومي على ردود الفعل الدفاعية.


في هذا السياق، تكتسب قراءة البروفيسور ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، أهمية خاصة، إذ يشير إلى تحول عميق في الإستراتيجية الإسرائيلية. فبحسب تحليله، لم تعد إسرائيل تعمل ضمن مزيج الردع والدبلوماسية الذي طبع سياساتها لعقود، بل انتقلت إلى منطق أكثر صرامة يقوم على الهيمنة وإضعاف الخصوم ومنع تعافيهم، بدل السعي إلى تسويات قابلة للاستمرار.


يرى براون أن إسرائيل لم تعد تستهدف إنهاء الحروب أو إنتاج ترتيبات سياسية مستقرة، بل تتصرف كما لو أنها دخلت مرحلة “الحرب الدائمة”، حيث يصبح الهدف إدارة الصراع ضمن شروط يمكن التحكم بها، لا حله. ويعكس ذلك انتقالًا من محاولة تعديل سلوك الخصم إلى العمل على تفكيك قدراته البنيوية، عسكريًا وسياسيًا، بما يمنعه من إعادة تشكيل نفسه كقوة تهديد.


ومنذ هجمات السابع من تشرين الأول 2023، لم يكن الرد الإسرائيلي مجرد استعادة لمنطق الردع، بل مثّل خروجًا عنه. فقد اتجهت العمليات إلى استهداف واسع للبنى التحتية المدنية، والمرافق الصحية، والمؤسسات التعليمية، وأماكن العبادة، والمزارع وآبار المياه وغيرها، في إطار نهج يقوم على الإخضاع المستمر. بهذا المعنى، لم تعد الحرب وسيلة لفرض تسوية، بل أداة لإدارة واقع دائم من التفوق والسيطرة.


تاريخيًا، اعتمدت إسرائيل على مزيج من القوة العسكرية والردع لإجبار خصومها على تجنب المواجهة، ونجح هذا النهج جزئيًا مع دول مثل مصر والأردن، حيث أفضى إلى اتفاقيات سلام. غير أن هذا النجاح ظل محدودًا جغرافيًا، ولم يمتد إلى الساحة الفلسطينية التي بقيت التحدي المركزي.


 


في الحالة الفلسطينية، لم يكن التهديد وجوديًا بقدر ما كان سياسيًا ورمزيًا، نظرًا لقدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على حشد الدعم الإقليمي والدولي. لذلك حاولت إسرائيل المزج بين الردع والاحتواء، مستفيدة من الغطاء الدبلوماسي الغربي، لكن هذه المقاربة لم تنهِ الصراع، بل ساهمت في نقله إلى ساحات أكثر هشاشة، كما في لبنان.


محاولة "إنتاج عنوان يمكن ردعه" بلغت ذروتها في غزو لبنان عام 1982، لكنها انتهت بنتائج عكسية، أبرزها صعود قوى جديدة واستمرار عدم الاستقرار. وحتى اتفاق أوسلو لم يتجاوز كونه إطارًا لإدارة الصراع، من خلال سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، دون معالجة جذور القضية.


في غزة، شكّلت هجمات 2023 نقطة تحول إستراتيجية، إذ انتقلت إسرائيل من سياسة "الاحتواء المنضبط" إلى نهج يسعى إلى القضاء الكامل على المقاومة. ولم يقتصر ذلك على البعد العسكري، بل شمل محاولة تفكيك مقومات الحياة، وفرض وقائع تدفع نحو التهجير، بالتوازي مع تسريع خطوات ضم الضفة الغربية. وقد جرى ذلك في ظل قناعة بأن الدعم الأميركي سيبقى قائمًا، حتى وإن اتخذ أحيانًا طابعًا حذرًا في الخطاب.


هذا التحول لم يظل محصورًا في الساحة الفلسطينية، بل امتد إلى نمط إقليمي أوسع. ففي سوريا، تجاوزت إسرائيل سياسة الضربات المحدودة إلى استهداف العمق، بهدف منع إعادة تشكل قوى معادية. وفي لبنان، يتكرر النهج عبر محاولة تفكيك البيئة الحاضنة للمقاومة. أما في إيران، فيتمثل الهدف في تقويض القدرات الإستراتيجية طويلة المدى. وفي مجمل هذه الساحات، يتكرس منطق إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة، بما يضمن تفوقًا دائمًا.


غير أن هذه الإستراتيجية، رغم ما تحققه من نجاحات عسكرية، تفتقر إلى أفق سياسي واضح. فالحرب لم تعد وسيلة لتحقيق الاستقرار، بل أصبحت هي الإطار الناظم للعلاقات، ما يدفع المنطقة نحو حالة مستدامة من عدم الاستقرار.


في هذا الإطار، تبدو الولايات المتحدة شريكًا أساسيًا في تمكين هذا النهج، إذ يسهم دعمها في تقليل كلفة التصعيد بالنسبة لإسرائيل، ما يضعف فرص التوصل إلى تسويات سياسية. وهنا تبرز مفارقة أساسية: فبينما تعزز إسرائيل تفوقها العسكري، فإنها تسهم في إنتاج بيئة أكثر هشاشة وتعقيدًا.


تحليل براون يسلط الضوء على تحول بنيوي في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، حيث لم تعد التسويات خيارًا واقعيًا، بل مخاطرة محتملة. وبدلًا من ذلك، يتم تفضيل إدارة الصراع، رغم كلفته طويلة الأمد، والتي تتمثل في ترسيخ عدم الاستقرار وتكريس العنف كأداة دائمة.


 


كما يثير نهج "منع التعافي" إشكالية إضافية، إذ إن تفكيك الخصوم لا يؤدي بالضرورة إلى تقليل التهديد، بل قد يفتح المجال أمام فاعلين أكثر تطرفًا. وتجارب المنطقة تشير إلى أن الفراغات الأمنية غالبًا ما تُملأ بقوى يصعب ردعها، ما يحول النجاحات العسكرية إلى تحديات مستقبلية بحسب براون.


تراجع الدبلوماسية يزيد من تعقيد المشهد، إذ إن غياب المسار السياسي يعني أن العمليات العسكرية لا تترجم إلى ترتيبات مستقرة، بل إلى دورات متكررة من العنف. وهذا يضع حلفاء إسرائيل، خصوصًا الولايات المتحدة، أمام معضلة إستراتيجية بين الاستمرار في الدعم أو محاولة إحياء مسارات سياسية ضعيفة.


داخليًا، قد يؤدي استمرار هذا النهج إلى تعزيز دور المؤسسة العسكرية في صنع القرار، وتراجع النقاشات السياسية، مع احتمال ترسيخ حالة طوارئ دائمة. كما قد يعزز ذلك نفوذ التيارات اليمينية المتشددة، ويجعل التراجع عن هذا المسار أكثر صعوبة في المستقبل.


في المحصلة، تكشف هذه الإستراتيجية عن واقع يتجه نحو إدارة صراعات مفتوحة بدل حلها، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، في ظل غياب أفق سياسي حقيقي

תגים

שתף את דעתך

حروب إسرائيل المفتوحة: عدوانية متجذّرة ومنطق إخضاع دائم

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.