تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة صراعاً محموماً بين ثلاثة كيانات أساسية، يسعى كل منها لإثبات وجوده عبر محاولة إقصاء الآخر. هذا الصراع الذي يتجاوز الحدود السياسية التقليدية، يجمع بين إرث الحضارة الفارسية القديمة، والكيان الاحتلالي الطارئ على المنطقة، والمكونات السياسية والعقائدية الصاعدة التي ترفض الهيمنة الغربية.
تعتبر إيران نفسها وريثة حضارة ضاربة في التاريخ، حيث تستند في موقفها الحالي إلى رؤية عقائدية تضع تحرير القدس وفلسطين على رأس أولوياتها. وترى طهران أن دورها في المنطقة يتجاوز التمكين السياسي إلى التمكين الديني، خاصة في ظل حالة الانقسام التي تعيشها المنظومة العربية الرسمية تجاه القضية الفلسطينية.
في المقابل، ينظر الاحتلال الإسرائيلي إلى القوة الإيرانية المتنامية كخطر وجودي لا يمكن التعايش معه، مما دفعه لتعزيز تحالفاته الدولية، لا سيما مع الولايات المتحدة. ويسعى هذا الكيان إلى استغلال الدعم الأمريكي لتقويض النفوذ الإيراني قبل أن يتحول إلى قوة لا يمكن كبح جماحها في المستقبل القريب.
تتسم الرؤية الإسرائيلية الحالية بسيطرة اليمين الديني الذي يمزج بين السياسة والنبوءات التوراتية، حيث يروج لفكرة الحرب المقدسة ضد الخصوم. هذا التوجه يجد صدى واسعاً لدى تيارات إنجيلية في الغرب، مما يحول الصراع من تنافس جيوسياسي إلى مواجهة صفرية تقوم على مبدأ 'نحن أو هم'.
الاحتلال يعرف اليوم أن أجله قد حان وفق نبوءاته التوراتية، لذا يقاتل بشراسة في حرب يعتبرها وجودية ومقدسة.
أما الطرف الثالث في هذه المعادلة فهو حزب الله في لبنان، الذي وجد نفسه منخرطاً في قلب هذه المواجهة الوجودية. ورغم محاولات الردع والتحجيم التي تعرض لها، إلا أنه استطاع الخروج من الضغوط الدولية والمحلية ليعيد صياغة دوره كقوة عسكرية وسياسية فاعلة في مواجهة الأطماع الإسرائيلية.
يرى مراقبون أن حزب الله يدرك تماماً أن المعركة الحالية لا تتعلق فقط بالحدود الجغرافية، بل بوجوده ككيان عقادئي مستهدف بالزوال. لذا، فإن انخراطه في القتال إلى جانب حلفائه يأتي كخطوة استباقية لحماية مكتسباته السياسية والعسكرية في الساحة اللبنانية والإقليمية.
إن تعقيد المشهد الحالي ينبع من تداخل الأبعاد التاريخية مع الأساطير الدينية والمصالح الاستراتيجية المعاصرة. وفي ظل إصرار كل طرف على إلغاء الآخر، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لصراع إرادات كبرى ستحدد نتائجها ملامح الخارطة السياسية للمنطقة لعقود طويلة قادمة.





שתף את דעתך
صراع الوجود في الشرق الأوسط: قراءة في تقاطع المصالح والمواجهة بين الأقطاب الثلاثة