لا تزال الدولة الليبية أسيرة لأنماط إدارية لم تبتعد كثيراً عن إرث النظام السابق، رغم مرور أكثر من عقد على التحولات السياسية الكبرى. فالمشهد الحالي يشير إلى أن التغيير طال الوجوه والنسب فقط، دون أن يمس جوهر العقلية التي تدير الشأن العام، والتي لا تزال تعتمد على الترضيات وتقاسم النفوذ.
إن التوازنات الجديدة التي فرضها الواقع السياسي بعد الثورة لم تؤدِّ إلى تحول حقيقي نحو بناء دولة المؤسسات والكفاءة. بل على العكس، أعادت إنتاج المنهج القديم بصيغ مختلفة، حيث تظل فكرة المحاصصة هي المحرك الأساسي لصناعة القرار وتوزيع المناصب السيادية والإدارية.
دخلت الأحزاب السياسية الناشئة إلى الساحة بخبرة محدودة وفي ظل بيئة معقدة مشحونة بالتدخلات الدولية والإقليمية. وبدلاً من بلورة مشروع وطني جامع، انزلقت هذه القوى نحو استقطاب حاد حول الخلاف السياسي إلى مواجهة صفرية استُخدمت فيها مؤسسات الدولة لتصفية الحسابات.
أدى هذا الصراع الإعلامي والسياسي القاسي إلى إضعاف النسيج الاجتماعي والقبلي، الذي كان يمثل تاريخياً عنصر توازن في المجتمع الليبي. وقد وصلت حدة الخصومة إلى تبادل اتهامات خطيرة بالإرهاب، مما عمق الفجوة بين المكونات الوطنية وأعاق أي فرص للتوافق الحقيقي.
بالعودة إلى ما قبل عام 2011، نجد أن النظام السابق قد رسخ نمطاً من المحاصصة القائمة على الولاء الشخصي والسياسي المطلق. فكان الحضور في السلطة مرهوناً بمدى القرب من دوائر القرار، مما جعل المؤسسات مجرد أدوات لضبط التوازنات الاجتماعية والسياسية لصالح بقاء النظام.
تلك المرحلة فتحت أبواباً واسعة للفساد والنهب الممنهج، وأبقت الدولة في حالة من الهشاشة المؤسسية الدائمة. ومع تغير الولاءات، كانت حصص النفوذ تتبدل وتتغير، مما حال دون بناء أي مشروع وطني مستدام يعتمد على معايير الكفاءة والنزاهة.
بعد الثورة، ومع تعثر التجربة الحزبية، تم تدوير فكرة المحاصصة لتأخذ طابعاً جهوياً صارخاً تحت مبررات توحيد البلاد. واعتُبر تمثيل الشرق والغرب والجنوب في الحكومات المتعاقبة وسيلة لضمان الاستقرار، لكنه تحول في الواقع إلى آلية لتوزيع الغنائم والمناصب.
ليبيا لن تخرج من أزمتها بتبديل الوجوه أو إعادة توزيع الحصص، بل بتغيير العقلية التي تدير الدولة أصلاً من منطق الترضيات إلى منطق المؤسسات.
أدى الانقسام السياسي ووجود حكومتين متنافستين إلى تفاقم مستويات الفساد بشكل غير مسبوق في تاريخ البلاد. وقد أُديرت مشاريع اقتصادية ضخمة ساهمت في تضخيم أرقام الاقتصاد دون أن تنعكس فعلياً على جودة حياة المواطن أو الإنتاج الحقيقي للدولة.
يعاني المواطن الليبي اليوم من تآكل الثقة في مؤسسات الدولة نتيجة العجز الواضح عن تقديم الخدمات الأساسية. فبينما تتصارع النخب على الحصص، يواجه الليبيون تراجعاً مستمراً في قيمة الدينار وارتفاعاً مرهقاً في أسعار السلع والخدمات الضرورية.
تظهر في الأفق ملامح تدوير جديد لنظام المحاصصة، خاصة في ظل حكومة الوحدة الوطنية، حيث يبرز نمط جهوي ذو طابع قبلي. هذا المسار يهدد بإعادة إنتاج الأزمة الليبية بصيغة أكثر تعقيداً، مما يجعل الإصلاح الهيكلي بعيد المنال في الوقت الراهن.
إن الجهوية النفعية الضيقة تسعى لتحقيق مكاسب فئوية على حساب المصلحة الوطنية العليا، وهو ما يعزز دوائر المحسوبية. هذا النهج يمثل العائق الأكبر أمام قيام دولة حقيقية، حيث يتم تغليب الولاء للجهة أو القبيلة على الولاء للمؤسسة والقانون.
السؤال الجوهري الذي يواجه الليبيين اليوم ليس متعلقاً بهوية من يحكم، بل بكيفية إدارة الدولة ومواردها. فتبديل الوجوه السياسية لن يجدي نفعاً ما لم يتم تغيير العقلية التي ترى في الدولة مجرد حصص يجب تقاسمها بين الأطراف المتنازعة.
إن الانتقال من عقلية الترضيات إلى عقلية المؤسسات هو السبيل الوحيد للخروج من الحلقة المفرغة التي تدور فيها البلاد منذ سنوات. وبدون هذا التحول الجذري، ستظل الأزمات تتكرر تحت عناوين مختلفة بينما يظل الجوهر المأزوم ثابتاً لا يتغير.
في نهاية المطاف، يبقى الرهان على قدرة القوى الوطنية على تجاوز منطق الغنيمة والتوجه نحو بناء عقد اجتماعي جديد. عقد يضمن حقوق الجميع بعيداً عن المحاصصة القبلية أو الجهوية، ويضع مصلحة المواطن الليبي فوق كل اعتبار سياسي أو فئوي.





שתף את דעתך
من الولاء السياسي إلى المحاصصة القبلية: هل تعيد ليبيا إنتاج أزمات الماضي؟