تشهد الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل تحولاً لافتاً في نبرة الخطاب تجاه قدرات حزب الله العسكرية، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات النوعية التي نفذها الحزب مؤخراً. وأفادت مصادر ميدانية بأن هذا التطور أعاد فتح باب الجدل داخل المؤسسة الأمنية حول مدى دقة التقديرات السابقة التي كانت تشير إلى تراجع القوة القتالية للحزب.
وكانت التقديرات الإسرائيلية الرسمية منذ حرب عام 2024 تروج لفكرة أن 'قوات الرضوان'، التي تمثل وحدة النخبة في الحزب، قد تعرضت لضربات قاصمة أفقدتها فاعليتها. وادعت تلك التقارير أن العمليات العسكرية السابقة، لا سيما ما عُرف بعملية 'البيجر'، قد أدت إلى شلل كبير في منظومة القيادة والسيطرة التابعة للحزب.
وبلغ التفاؤل الإسرائيلي ذروته مع انطلاق المواجهات الحالية، حيث اعتبر مسؤولون في تل أبيب أن الحزب بات عاجزاً عن شن هجمات واسعة النطاق. واستندت هذه القناعة إلى طبيعة الردود الأولية التي اعتبرتها إسرائيل محدودة، مما عزز الانطباع بأن الترسانة العسكرية للحزب قد استنزفت بشكل كبير.
إلا أن هذه القناعات بدأت تتلاشى بعد تنفيذ حزب الله لعملية أطلق عليها اسم 'العصف المأكول' خلال الأسبوع الماضي. وتميزت هذه العملية بتنسيق عالٍ وهجمات متزامنة انطلقت من محاور متعددة، مستهدفةً مساحات واسعة في منطقة الجليل المحتل، مما أحدث صدمة في الأوساط العسكرية الإسرائيلية.
وذكرت مصادر صحفية أن التقارير الاستخباراتية الأخيرة أظهرت مفاجأة غير متوقعة للمؤسسة الأمنية، تمثلت في قدرة الحزب على إعادة نشر وحدات من 'أفواج الرضوان' في مناطق تقع جنوب نهر الليطاني. وتأتي هذه المعلومات لتناقض الرواية الرسمية التي زعمت نجاح الجيش في تطهير المناطق الحدودية وتدمير البنية التحتية العسكرية فيها.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية دولية عن توجه إسرائيلي جديد يهدف إلى توسيع رقعة العمليات العسكرية في العمق اللبناني. ونقلت مصادر عن مسؤولين في واشنطن وتل أبيب أن هناك دراسة جدية للوصول بالعملية البرية إلى مجرى نهر الليطاني بذريعة القضاء على الوجود العسكري للحزب هناك.
المعطيات الميدانية الجديدة شكلت مفاجأة للمؤسسة الأمنية التي كانت تؤكد نجاحها في إبعاد قوات النخبة عن الحدود.
وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال قد يتبنى في جنوب لبنان استراتيجية 'الأرض المحروقة' التي اتبعها في قطاع غزة خلال الأشهر الماضية. ويهدف هذا التوجه إلى تدمير شامل للمناطق السكنية والبنى التحتية لضمان عدم عودة المظاهر العسكرية إلى المنطقة الحدودية، وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية كارثية.
وعلى الصعيد الداخلي، تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة للحكومة والجيش من قبل محللين وصحفيين إسرائيليين شككوا في صدقية البيانات الرسمية. واعتبر هؤلاء أن المبالغة في تصوير ضعف حزب الله كانت تهدف للاستهلاك المحلي، لكن الواقع الميداني أثبت وجود فجوات استخباراتية كبيرة.
ميدانياً، يواصل جيش الاحتلال عدوانه الواسع على الأراضي اللبنانية منذ مطلع شهر مارس الجاري، مخلفاً خسائر بشرية ومادية جسيمة. وحسب الإحصائيات الرسمية، فقد ارتقى مئات الشهداء، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء، جراء الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب.
وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد إقليمي أوسع بدأ في أواخر فبراير الماضي، حيث انخرطت قوى دولية في مواجهات مباشرة. وقد جاء رد حزب الله باستهداف مواقع عسكرية حساسة تأكيداً على استمرار معادلة الردع رغم اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة التي تم الحديث عنها في فترات سابقة.
وفي ظل استمرار التوغل البري المحدود الذي بدأ في الثالث من مارس، تشهد القرى الحدودية اشتباكات عنيفة من مسافات صفرية بين مقاتلي الحزب وقوات الاحتلال. وتؤكد المصادر أن المقاومة اللبنانية تبدي صموداً كبيراً في وجه محاولات التقدم، مما يزيد من تعقيد الحسابات الإسرائيلية للمرحلة المقبلة.





שתף את דעתך
عملية 'العصف المأكول' تربك حسابات الاحتلال وتكشف ثغرات في تقديرات الجبهة الشمالية