دخلت الحرب العدوانية التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران أسبوعها الثالث، وسط ما يمكن وصفه بـ 'المأزق الأمريكي'. حيث يواجه البيت الأبيض استعصاءً في تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية وتحويل البلاد إلى تابع يدور في الفلك الأمريكي والصهيوني.
يرى مراقبون أن ترامب سعى منذ اللحظة الأولى لتكرار السيناريو الفنزويلي في طهران، طمعاً في السيطرة على الثروات الإيرانية وتحييد أكبر قلاع المقاومة في المنطقة. إلا أن هذا المخطط واجه عقبات غير متوقعة نتيجة تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية رغم كثافة النيران الأمريكية المستخدمة.
لقد أحدثت هذه الحرب نوعاً من الإجماع العربي والإسلامي الرافض للعدوان، ليس بالضرورة حباً في النظام الإيراني، بل خوفاً من تداعيات كسر موازين القوى لصالح المشروع الصهيوني. حيث تدرك دول المنطقة أن نجاح ترامب في مسعاه سيهدد الخريطة السياسية والوجودية لجميع دول الجوار بلا استثناء.
بالرغم من استشهاد الإمام علي الخامنئي في الأسبوع الأول من المواجهة، إلا أن إيران أظهرت ثباتاً استراتيجياً فاجأ الدوائر الاستخباراتية الغربية. فقد استوعبت طهران الصدمة العسكرية الأولى وانتقلت سريعاً إلى مرحلة الرد المنظم على المستويات السياسية والعسكرية والشعبية.
شهدت المدن الإيرانية خروج ملايين المواطنين إلى الشوارع في تظاهرات حاشدة أكدت الالتفاف الشعبي حول القيادة الجديدة. هذا الحراك الجماهيري أعطى رسالة واضحة لترامب بأن الحرب لن تكون نزهة قصيرة، بل مواجهة نظامية وشعبية طويلة الأمد لا تقبل الاستسلام.
مع مطلع الأسبوع الثالث، تسلم الإمام مجتبى الخامنئي زمام القيادة، وبدأت إيران بفرض شروط مضادة نقلها الوسطاء إلى الجانب الأمريكي. وتصر القيادة الجديدة على أن أي تفاهم لوقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملاً للمنطقة بأسرها، رافضة أي حلول جزئية تتعلق بالداخل الإيراني وحده.
تطورت العمليات العسكرية في الأسبوع الثاني لتأخذ طابعاً إقليمياً منسقاً، تجلى في ليلة القصف المشترك بين الحرس الثوري وحزب الله اللبناني. هذا التنسيق الميداني المباشر أربك الحسابات الأمريكية والصهيونية، وأثبت أن جبهة المقاومة تعمل وفق غرفة عمليات موحدة.
ثبت أن السيطرة على الجو، مهما عظمت الصدمة الأولى، لا تُكسب حرباً أمام قيادة رابطة الجأش وجماهير مليونية.
لم يقتصر التصعيد على الجبهة اللبنانية، بل امتد ليشمل دخول الحشد الشعبي العراقي على خط المواجهة بشكل فاعل ومؤثر. هذا التوسع في رقعة الصراع أكد فشل استراتيجية عزل إيران، وحول الحرب إلى استنزاف واسع النطاق يهدد المصالح الأمريكية في عدة دول.
يراهن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القوة التكنولوجية والجوية الأمريكية لحسم المعركة، لكن الوقائع الميدانية أثبتت محدودية هذا الرهان. فرغم التفوق التقني الهائل، لم تنجح الصواريخ والطائرات في كسر إرادة المقاتلين في الحرس الثوري والباسيج والجيش الإيراني.
يعيش ترامب حالياً حالة من فقدان الأمل في إمكانية تحقيق نصر سريع أو إحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي الإيراني. فالصمود الذي أبدته طهران في الأسبوعين الأول والثاني وضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات أحلاها مر، وسط ضغوط دولية متزايدة لوقف التصعيد.
إن الحشود العسكرية التي جمعها ترامب، والتي تعد الأضخم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تنجح في انتزاع استسلام إيراني بلا قيد أو شرط. بل على العكس، أصبحت واشنطن هي من تبحث عن مخارج ديبلوماسية تحفظ ماء وجهها أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.
أثبتت التجربة الحالية أن السيطرة الجوية المطلقة لا تعني بالضرورة كسب الحرب على الأرض، خاصة أمام شعوب مستعدة للتضحية. فالجماهير المليونية التي ملأت الساحات شكلت درعاً سياسياً لا يمكن اختراقه بالصواريخ الذكية أو القنابل الارتجاجية.
تترقب العواصم العالمية ما ستسفر عنه الأيام القادمة من الأسبوع الثالث، في ظل تصلب الموقف الإيراني وتوسيع دائرة الاشتباك. ويبدو أن الرهان الأمريكي على 'الصدمة والترويع' قد تآكل أمام واقعية 'حرب الاستنزاف' التي تتقنها القوى الإقليمية المتحالفة مع طهران.
في الختام، يظل 'مأزق ترامب' عنواناً للمرحلة الحالية، حيث وجد نفسه عالقاً في حرب لا أفق واضحاً لنهايتها. وبينما كانت واشنطن تنتظر اتصالاً هاتفياً لطلب الاستسلام، أصبحت تتلقى شروطاً قاسية لإعادة الهدوء إلى المنطقة المشتعلة.





שתף את דעתך
مأزق ترامب في الأسبوع الثالث: صمود إيراني وتوسيع لجبهات المواجهة