واشنطن – سعيد عريقات – 14/3/2026
تحليل إخباري
قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الجمعة، إن الجيش الأميركي نفذ واحدة من "أقوى الغارات الجوية" في تاريخه الحديث، مؤكداً أن القوات الأميركية دمّرت "جميع الأهداف العسكرية" في جزيرة خارك الإيرانية تدميراً كاملاً. وتُعد الجزيرة من أهم المراكز الاقتصادية الحيوية في إيران، إذ تمثل نقطة التصدير الرئيسية للنفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.
وأوضح ترمب أن الضربة العسكرية جاءت دقيقة ومركزة، مشيراً إلى أن الجيش الأميركي امتنع، "مراعاةً لمبادئ اللياقة"، عن استهداف البنية التحتية النفطية في الجزيرة، رغم أن نحو 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر هذه المنشآت.
لكن الرئيس الأميركي ربط هذا القرار بسلوك إيران في مياه الخليج، محذراً من أن واشنطن قد تعيد النظر في استثناء المنشآت النفطية إذا قامت إيران أو أي طرف آخر بعرقلة الملاحة الدولية. وكتب ترمب في منشور على منصته "تروث سوشيال" أن الولايات المتحدة ستعيد النظر فوراً في قرارها إذا تعرض المرور الحر والآمن للسفن عبر مضيق هرمز لأي تهديد.
ويأتي استهداف جزيرة خارك، الواقعة في الخليج العربي، في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية توتراً متزايداً منذ اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي. فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، في ظل مخاوف من أن تتحول المواجهة العسكرية إلى تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية.
وكانت إيران قد ردت على الضربات الأميركية باستهداف سفن عابرة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز في العالم، ما أعاد المخاوف الدولية من احتمال تعطّل أحد أهم الممرات الإستراتيجية للطاقة.
وفي تطور سياسي لافت، أصدر المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، أول بيان له منذ توليه المنصب يوم الخميس، أكد فيه أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً، وأن إيران ستواصل استهداف حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج.
وفي تصريحات لاحقة، قال ترمب إن إيران "لا تمتلك القدرة على الدفاع عن أي هدف ترغب واشنطن في مهاجمته"، مضيفاً أن طهران لن تتمكن من امتلاك سلاح نووي أو تهديد الولايات المتحدة أو الشرق الأوسط أو العالم. كما دعا الرئيس الأميركي الجيش الإيراني إلى إلقاء السلاح، معتبراً أن ذلك قد يكون السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من البلاد.
من جهته، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن القوات الأميركية تستعد لتنفيذ ما وصفه بـ"أكبر موجة من الضربات الجوية" فوق إيران والعاصمة طهران منذ بداية الحرب.
وقال هيغسيث، خلال إحاطة صحفية في البنتاغون، إن عدد الطلعات الجوية وموجات القصف بلغ مستويات غير مسبوقة، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية في تصاعد مستمر. وأضاف أن الجيشين الأميركي والإسرائيلي استهدفا أكثر من 15 ألف هدف داخل إيران منذ اندلاع الحرب.
وأوضح الوزير أن هذا الرقم يعادل استهداف أكثر من ألف هدف يومياً، مؤكداً أن "لا تحالف عسكرياً آخر في العالم قادر على تنفيذ عمليات بهذا الحجم".
غير أن هذا الخطاب الأميركي الحاسم يقابله تشكيك متزايد لدى عدد من المراقبين الذين يرون أن التصريحات الرسمية في واشنطن تتسم بقدر من المبالغة في تصوير حجم التفوق العسكري ونتائج الضربات الجوية. فالتأكيد المتكرر على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل يتناقض مع مؤشرات ميدانية متعددة تشير إلى أن طهران ما تزال تحتفظ بقدرات ردع فعالة.
فخلال الأسابيع الأخيرة، أظهرت إيران قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة ومؤلمة استهدفت عدداً من القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، ما ألحق أضراراً تشغيلية ببعض المنشآت العسكرية ورفع مستوى التأهب الدفاعي في القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج والشرق الأوسط.
كما أن الرد الإيراني لم يقتصر على المصالح الأميركية فحسب، بل امتد ليشمل ضربات قوية ضد أهداف إسرائيلية حساسة. وتشير تقارير متعددة إلى أن هذه الهجمات طالت منشآت إستراتيجية وبنى تحتية حيوية داخل إسرائيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في النشاط الاقتصادي.
وبحسب تقديرات أولية، أدت الضربات إلى تعطيل بعض الموانئ والمراكز اللوجستية والمنشآت الاقتصادية، ما تسبب في حالة من الشلل في قطاعات تجارية ومالية، وأثر بشكل مباشر في حركة المعاملات التجارية.
ويرى محللون أن هذه التطورات تكشف أن المواجهة لم تعد مجرد حملة جوية أميركية داخل إيران، بل تحولت إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والإستراتيجية.
وفي هذا السياق، يعتقد خبراء أن تركيز الخطاب الأميركي على فكرة "التفوق الساحق" قد يكون جزءاً من حرب نفسية تهدف إلى ترسيخ صورة الحسم العسكري وتعزيز الردع. غير أن التجارب السابقة في حروب الشرق الأوسط تشير إلى أن التفوق العسكري، خصوصاً في الضربات الجوية، لا يترجم بالضرورة إلى نتائج سياسية سريعة.
ففي الحروب غير المتكافئة، تمتلك الأطراف الأضعف أدوات متعددة للرد، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة واستهداف البنى التحتية الحيوية وممرات الطاقة. ومع استمرار تبادل الضربات في الخليج وشرق المتوسط، تبدو الحرب مرشحة لمزيد من التصعيد، مع ما قد يحمله ذلك من تداعيات واسعة على الاقتصاد الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية.
كما يلفت عدد متزايد من المحللين إلى أن التصريحات المتناقضة للرئيس ترمب، التي تتغير أحياناً خلال ساعات قليلة، تعكس غياب وضوح حقيقي في أهداف الحرب واستراتيجيتها. فبين التهديد بتوسيع الضربات والدعوة أحياناً إلى تحقيق النصر الكامل و إنهاء الصراع سريعاً، تبدو الرسائل الأميركية متضاربة، الأمر الذي عزز الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن. ويرى بعض النقاد أن ترمب سمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدفع الولايات المتحدة نحو حرب واسعة مع إيران، ما قد يورط واشنطن في مستنقع حرب إقليمية طويلة ومعقدة يصعب الخروج منها دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة.





שתף את דעתך
حرب الروايات في الخليج: واشنطن تتحدث عن تدمير خارك وطهران ترد بضربات مؤلمة