ו 13 מרץ 2026 7:49 pm - שעון ירושלים

المسألة الطائفية في تونس: بين إرث البورقيبية وصراع الهوية الأيديولوجي

شهدت تونس عقب مرحلة الاستقلال عن فرنسا صعود نخب فرنكفونية عملت على إرساء ما يمكن وصفه بمنظومة الاستعمار الداخلي. قاد الراحل الحبيب بورقيبة هذا التوجه، حريصاً على صياغة تعريف جديد للهوية التونسية باعتبارها 'أمة بذاتها'، منفصلة في جوهرها عن الامتدادات القومية العربية أو المشاريع الإسلامية الكبرى التي كانت سائدة في ذلك الوقت.

اعتمدت السردية السلطوية البورقيبية على فكرة أن الأمة التونسية هي صناعة دستورية خالصة، متجاوزة ما وصفه الزعيم بـ 'الذرات البشرية' التي سبقت الدولة الحديثة. هذا التوجه وضع الدولة الناشئة في تقابل مستمر مع المشروع الناصري والبعثي من جهة، ومع الحركات الإسلامية بمختلف تشكيلاتها من جهة أخرى، مما خلق فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.

رغم أن الدستور التونسي الأول نص صراحة على أن الإسلام هو دين الدولة والعربية لغتها، إلا أن هذا النص ظل في إطاره الخطابي دون ترجمة حقيقية في السياسات العامة. فقد استدمجت البورقيبية هذه العناصر كضرورة تشريعية، بينما كانت الممارسة السياسية تميل نحو النموذج الكمالي الأتاتوركي المستلهم من اللائكية الفرنسية الراديكالية.

تعتبر الكمالية التونسية النموذج الأكثر حدة في محاولات التحديث القسري، حيث سعت لتحويل الأقليات الأيديولوجية إلى فاعل ديني أساسي ينافس المؤسسات التقليدية. وعملت هذه النخب على احتكار الشؤون الدينية وتقديم قراءات 'تنويرية' تدعي مطابقتها لروح الدين ومقاصده، بعيداً عن الأحكام التفصيلية التي يتبناها جمهور العلماء.

استثمرت النخب الحاكمة حالة التجانس المذهبي والثقافي التي تميز الشعب التونسي لتمرير خيارات تشريعية مثيرة للجدل تحت غطاء 'المقاصد'. وبدلاً من مواجهة الدين بشكل مباشر، قدم بورقيبة نفسه كمجدد ديني يقرأ الإسلام بعيون حداثية، مما جعل السلطة السياسية هي المرجعية الوحيدة لتفسير الفكر والسلوك القويم.

بعد اندلاع الثورة الإيرانية، تحول الصراع في تونس إلى مربع جديد من الوصم السياسي، حيث بدأت السلطات وأذرعها الإعلامية بوصف الإسلاميين بـ 'الخمينيين'. لم يكن الهدف من هذا الوصم التنفير من المذهب الشيعي فحسب، بل كان محاولة لضرب شرعية الحركات الاحتجاجية وتصويرها كجسم غريب يهدد النسيج السني للبلاد.

مع وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة، تغيرت المصطلحات ليصبح 'الإخوانجية' هو الوصم السائد، لكن الجوهر ظل ثابتاً باعتبارهم خطراً وجودياً على 'النمط المجتمعي'. واستمرت الدولة في استخدام أدواتها القانونية، مثل المنشور 108 الشهير، للتضييق على المظاهر الدينية التي اعتبرتها السلطة تعبيراً عن 'طائفية' دخيلة.

يبرز المنشور 108 لسنة 1981، الذي منع الحجاب في المؤسسات التعليمية، كأحد أبرز تجليات هذا الصراع، حيث تم تصنيفه كزي طائفي شيعي رغم غياب الطائفة الشيعية كمكون عددي في تونس. هذا التوجه تزامن تاريخياً مع حملات مشابهة في دول عربية أخرى، مما يشير إلى تقاطع المصالح بين الأنظمة في مواجهة الهوية التقليدية.

في المقارنة مع الحالة السورية، نجد أن الأقلية الحاكمة هناك كانت تعادي الحجاب من منطلق طائفي وأيديولوجي مزدوج، بينما في تونس كانت الأقلية المهيمنة أيديولوجية بامتياز. هذه النخبة التونسية، رغم انتمائها الاسمي للطائفة السنية، إلا أنها تتبنى قيم منظومة الاستعمار الداخلي التي تعكس إملاءات ثقافية غربية، لا سيما الفرنسية منها.

بعد ثورة 2011، ورغم سقوط المناشير المقيدة للحريات الدينية، إلا أن الانقسام المجتمعي ظل حاداً حول 'تأويل الدين'. فما زالت القوى التي تصف نفسها بالحداثية تصر على إعادة تدوير الإرث البورقيبي دون مراجعة، وترفض الاعتراف بالإسلاميين كشريك سياسي طبيعي في بناء الدولة الوطنية.

تميل الأقليات الأيديولوجية في تونس إلى الانفتاح على التراث غير السني والتعاطف مع الأقليات التاريخية، في محاولة لخلق مسافة شعورية عن التاريخ الجمعي للأغلبية. هذا السلوك يعكس رغبة في تحجيم دور الإسلام في الدستور ومنعه من المساهمة في هندسة الفضاء العام أو صياغة المشترك المواطني.

يظل 'المكبوت الطائفي' محركاً خفياً للعقل السياسي التونسي، حيث تتماهى الحركات الإسلامية مع هويتها السنية، بينما يصطف الحداثيون غالباً مع خصوم هذه الأغلبية. هذا التناقض يكشف عن أزمة بنيوية في الوعي السياسي، ناتجة عن الانفصام بين شعارات السيادة الوطنية والواقع التبعي الذي كرسسته الأنظمة المتعاقبة.

إن الدولة التي بشرت بها البورقيبية ككيان حر ومستقل، تحولت في نظر منتقديها إلى 'جملوكية' ريعية تعيد تدوير شروط التخلف. وبدلاً من بناء جمهورية تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، انشغلت النخب الوظيفية بتثبيت أركان التبعية تحت ستار من التنوير الزائف والحداثة القشرية التي لا تلامس عمق المجتمع.

في الختام، تظل المسألة الطائفية في تونس، رغم تجانس المجتمع، أداة سياسية تستخدمها النخب لإدارة الصراع وضمان البقاء في السلطة. إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب مراجعة نقدية شجاعة للإرث السياسي التونسي، والاعتراف بالهوية الجامعة كمنطلق لبناء دولة مواطنة حقيقية تتسع لجميع مكوناتها الفكرية والسياسية.

תגים

שתף את דעתך

المسألة الطائفية في تونس: بين إرث البورقيبية وصراع الهوية الأيديولوجي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.