رسمت مجلة إيكونوميست صورة قاتمة لمستقبل البحرين الاقتصادي، مشيرة إلى أن الدولة التي كانت تعد أفقاً نفطياً لامعاً باتت اليوم على حافة الانهيار. وأوضحت مصادر أن ناطحات السحاب في المنامة بدأت تظهر عليها آثار الدمار، حيث تعرضت منشآت حيوية ومصافي نفطية لضربات قاسية أثرت على البنية التحتية للدولة.
وتواجه المنامة تحديات مالية جسيمة سبقت اندلاع المواجهات الحالية، حيث كانت المؤشرات تشير إلى عجز في الميزانية يتخطى حاجز 10% من الناتج المحلي الإجمالي. ويأتي هذا التدهور نتيجة الانخفاضات السابقة في أسعار الطاقة، مما جعل الموقف المالي للدولة هشاً أمام أي هزات أمنية كبرى.
ووصل الدين العام في البحرين إلى مستويات قياسية بلغت نحو 146% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يصنف ضمن أعلى المعدلات عالمياً. وتستنزف فوائد هذه الديون الضخمة قرابة ثلث الإيرادات الحكومية، مما يقلص قدرة الدولة على المناورة المالية أو دعم القطاعات المتضررة من الحرب.
تاريخياً، كانت البحرين مركزاً مصرفياً مزدهراً في المنطقة، وساهمت عوائد النفط والغاز المعتدلة في توفير مستوى معيشة مرتفع للمواطنين. إلا أن هذه المكانة بدأت تتراجع مع تحول الثقل المالي نحو دبي، وسعي المؤسسات المصرفية العالمية للتقرب من مراكز الثروة في السعودية والإمارات.
وتشكل صناعتا النفط والألمنيوم العمود الفقري للاقتصاد البحريني، حيث تساهمان بأكثر من ثلثي الإيرادات العامة للدولة. ومع تصاعد التوترات، تعرضت هذه القطاعات لضربات موجعة أدت إلى توقف جزئي في العمليات الإنتاجية وسلاسل التوريد نحو الأسواق العالمية.
وأفادت مصادر بأن شركة النفط الوطنية 'بابكو' اضطرت لوقف بعض الشحنات الصادرة من مصفاة سترة الاستراتيجية. هذا التوقف يضع ضغوطاً هائلة على التدفقات النقدية للدولة، خاصة في ظل الحاجة الماسة للسيولة لتمويل النفقات الدفاعية والأساسية.
وفي سياق متصل، علقت شركة ألمنيوم البحرين 'ألبا'، التي تدير أحد أكبر المصاهر في العالم، صادراتها الخارجية بشكل مؤقت. ورغم استمرار عمل المصهر تقنياً، إلا أن هناك مخاوف جدية من توقفه التام، وهو ما سيمثل كارثة صناعية يصعب التعافي منها سريعاً.
اقتصاد البحرين معرض للشلل بالكامل، ليس فقط بسبب القصف، بل نتيجة انعدام سبل تصدير النفط والألمنيوم في حال إغلاق مضيق هرمز.
ويحذر الخبراء من أن إعادة تشغيل مصهر الألمنيوم في حال بروده وتوقفه ليست عملية سهلة على الإطلاق. فقد تستغرق العودة إلى مستويات الإنتاج الطبيعية أكثر من ستة أشهر، مما يعني فقدان حصص سوقية وتكبد خسائر مالية بمليارات الدولارات.
ويرى المحللون أن التهديد الأكبر لا يكمن فقط في القصف المباشر، بل في احتمال قيام إيران بزرع ألغام في مضيق هرمز. إن إغلاق هذا الممر المائي الحيوي لعدة أشهر سيعني شللاً كاملاً لقدرة البحرين على تصدير منتجاتها النفطية والمعدنية.
وعلى الصعيد الإقليمي، كان هناك افتراض دائم بأن السعودية والإمارات ستقدمان طوق النجاة المالي للبحرين عند الأزمات. لكن الظروف الراهنة تشير إلى أن دول الجوار تعاني هي الأخرى من تبعات الحرب، مما يجعل قدرتها على تقديم دعم مالي ضخم أمراً مشكوكاً فيه.
ونقلت التقارير عن مصرفيين سابقين قولهم إن عمليات الإنقاذ المالي تتطلب وفرة نقدية لدى المانحين، وهو ما قد لا يتوفر حالياً. فالأزمة الراهنة طالت تداعياتها كافة اقتصادات المنطقة، مما يضع البحرين في مواجهة منفردة مع أزمتها الوجودية.
وتمثل السياحة نقطة ضعف أخرى في الهيكل الاقتصادي البحريني، خاصة مع إغلاق المطار الدولي وتوقف حركة الطيران. وأصبح جسر الملك فهد، الذي يربط الجزيرة بالسعودية، هو الشريان الوحيد المتبقي للتواصل مع العالم الخارجي وتدفق الزوار.
ويشكل السياح السعوديون أكثر من 80% من إجمالي زوار المملكة، حيث يمثل الجسر الرئة التي يتنفس منها قطاع الخدمات والترفيه. ويحذر رجال أعمال من أن أي استهداف لهذا الجسر سيمثل 'سيناريو يوم القيامة' الذي سيقضي على ما تبقى من ثقة في الاقتصاد المحلي.
وفي الختام، تشير القراءات السياسية إلى أن الطبقة الحاكمة في البحرين تجد نفسها في موقف معقد أمام الضغوط الإيرانية المستمرة. ومع غياب الديمقراطية وزيادة التوترات الداخلية، تبدو الدولة أقل قدرة على الصمود في وجه حرب استنزاف طويلة الأمد مقارنة بخصومها الإقليميين.





שתף את דעתך
إيكونوميست: اقتصاد البحرين يواجه خطر الانهيار الشامل وسط تصاعد التوترات الإقليمية