انطلقت جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928 كمشروع يهدف لاستعادة الخلافة الإسلامية التي سقطت قبل ذلك بأربعة أعوام، حيث وضع مؤسسها حسن البنا منهجاً يركز على بناء الفرد المسلم بناءً شاملاً يجمع بين الروح والعقل والجسد. وقد تزامنت هذه النشأة مع حراك فكري واسع في العالم الإسلامي ناقش تداعيات غياب المرجعية السياسية الدينية، وكان كتاب محمد رشيد رضا 'الخلافة' أحد أبرز ركائز هذا الحراك.
اتسمت علاقة الجماعة بالسلطة في عهد البنا بالمرونة والمطالبة بالإصلاح المتدرج، حيث انخرط الإخوان في العمل التعليمي والاقتصادي وشاركوا في الانتخابات البرلمانية. وفي الوقت ذاته، لم يتوانَ البنا عن توجيه رسائل حازمة لرؤساء الحكومات، مثل مصطفى النحاس، مطالباً بإلغاء القوانين الربوية وإصلاح النظام المصرفي بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية، محذراً من 'ثورة قرآنية' في حال تجاهل المطالب الشعبية.
حدد البنا خطرين استراتيجيين يواجهان الدولة المصرية، وهما الاحتلال العسكري الإنجليزي والمشروع الصهيوني في فلسطين، مما دفعه لتأسيس 'الجهاز السري الخاص' كذراع عسكري لمواجهة هذه التحديات. وقد نجحت الجماعة في كسب قاعدة شعبية عريضة مكنتها من منافسة حزب الوفد العريق، بل وإجباره على التفاوض معها لعقد تحالفات انتخابية في عدة مناطق.
لعب الإخوان دوراً محورياً في مواجهة تيارات التغريب والنزعات الفرعونية التي قادها مثقفون مثل طه حسين وعباس محمود العقاد، حيث اضطر هؤلاء لاحقاً لاسترضاء التيار الإسلامي الصاعد عبر تأليف كتب تتناول الشخصيات الإسلامية. وتجسد هذا النفوذ بشكل أكبر في المشاركة الميدانية بكتائب مقاتلة خلال حرب فلسطين عام 1948، وهو ما رفع رصيد الجماعة السياسي والشعبي بشكل غير مسبوق.
أدت نتائج حرب 1948 وقيام دولة الاحتلال إلى تحول جذري في تعامل الحكومة المصرية مع الإخوان، حيث بدأت حملات الاعتقال والمصادرة التي توجت باغتيال حسن البنا عام 1949 وحظر الجماعة. ومع تولي حسن الهضيبي منصب المرشد العام في عام 1951، اتخذ قرارات حاسمة بإلغاء الجهاز السري والتأكيد على أن الجماعة دعوية تربوية ترفض العنف والسرية في العمل السياسي.
شهدت مصر مطلع الخمسينيات أحداثاً متسارعة بدأت بإلغاء معاهدة 1936 واندلاع حريق القاهرة، وصولاً إلى انقلاب يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر. ورغم التوافق الأولي، سرعان ما وقع الصدام الكبير بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954، مما أدى إلى زج قيادات الإخوان في السجون وإعدام عدد منهم، وبروز فكر جديد داخل المعتقلات قاده الأديب والمفكر سيد قطب.
جاءت كتابات سيد قطب، وعلى رأسها 'في ظلال القرآن'، كرد فعل مباشر على توجهات النظام الناصري الذي سعى لترسيخ القومية العربية والعلمانية والاشتراكية الماركسية. واعتبر قطب أن هذه الأيديولوجيات تمثل 'جاهلية حديثة' تسعى لإبعاد الدين عن الحياة، مؤكداً أن عقيدة المسلم هي جنسيته الحقيقية، وأن الحكم بما أنزل الله أصبح فرض عين لاستعادة هوية الأمة.
سيعلن الإخوان المسلمون ثورة قرآنية شاملة إذا لم تسرع الحكومات بإجراءات الإصلاحات اللازمة.
طرح قطب مفهوم 'الطليعة المؤمنة' التي يجب أن تنعزل شعورياً عن المجتمع الجاهلي لتبني قاعدة صلبة قادرة على التغيير، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول فكرة 'تكفير المجتمع'. ويرى محللون أن لغة قطب الأدبية المحلقة ساهمت في غموض بعض مفاهيمه، مما فتح الباب أمام تأويلات متشددة من جماعات خرجت لاحقاً من عباءة الإخوان مثل 'التكفير والهجرة'.
في المقابل، تصدى المرشد حسن الهضيبي لهذه الأفكار عبر كتابه الشهير 'دعاة لا قضاة'، مفنداً حجج التكفير وواضعاً شروطاً فقهية صارمة للحكم على الأفراد. وأكد الهضيبي على ضرورة التمييز بين نقد المنظومة السياسية وبين تكفير المجتمع، مشدداً على أن مهمة الجماعة هي الدعوة والإرشاد وليس إصدار الأحكام القضائية على إيمان الناس.
أحدث هذا التباين الفكري بين قطب والهضيبي انقساماً صامتاً داخل أروقة الجماعة، حيث حدّ هجوم الهضيبي على كتابات قطب من الاستفادة التنظيمية منها داخل الإخوان. ومع ذلك، ظلت أفكار قطب ملهمة للعديد من الحركات الجهادية خارج إطار الجماعة الرسمي، والتي تبنت مفاهيم المفاصلة والجاهلية بشكل أكثر راديكالية وتصادماً مع الدولة والمجتمع.
يرى الكاتب أن تعثر مشروع النهضة لدى الإخوان يعود إلى فشل القيادة اللاحقة في الدمج بين البناء التنظيمي الذي وضعه البنا وبين التشخيص السياسي الدقيق الذي قدمه قطب للواقع الناصري. فبينما تمسك الهضيبي بالعمل الدعوي التقليدي، كان الواقع الجديد يتطلب تطويراً في أدوات المواجهة الفكرية والسياسية مع نظام يتبنى الاشتراكية المادية والقومية العلمانية.
إن استخدام سيد قطب لمصطلح 'المجتمع الجاهلي' بدلاً من 'الأمة' أوقعه في إشكالات لغوية وفقهية، حيث أن الأمة في المفهوم القرآني لا تكفر جملة واحدة. وكان من الممكن تجنب اتهامات التكفير لو ركز الخطاب على 'جاهلية الحكم' كمنظومة سياسية وتشريعية، بدلاً من تعميم المصطلح الذي انسحب في أذهان البعض على الشعوب والأفراد.
لقد نجح سيد قطب في تشخيص الانحرافات التي شابت التجربة الناصرية، خاصة في جوانب الصراع الطبقي ومحاربة ما كان يسمى بـ 'الرجعية الدينية'. إلا أن هذا التشخيص لم يجد مساراً حركياً منضبطاً داخل الجماعة بسبب التخوف من الانزلاق نحو العنف، مما ترك الساحة مفتوحة لاجتهادات فردية وجماعات فرعية تبنت العنف وسيلة للتغيير.
في الختام، تظل تجربة الإخوان المسلمين في مصر نموذجاً للتحولات الكبرى التي عصفت بالحركات الإسلامية في القرن العشرين، بين طموحات التأسيس الشامل وضغوط الملاحقة الأمنية. ويظل الجدل حول إرث سيد قطب ومنهج حسن الهضيبي محوراً أساسياً لفهم أزمة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر وقدرته على التكيف مع الدولة الوطنية الحديثة.





שתף את דעתך
جماعة الإخوان المسلمين وتعثر النهضة العربية: قراءة في تحولات المنهج بين البنا وقطب والهضيبي