تشهد الشاشات والمنصات الرقمية اليوم ما يُعرف بالموسم الرمضاني، وهو توقيت يثير الكثير من الجدل حول الخلط بين البعد الروحاني والنشاط التجاري الفني. إلا أن القضية الأبرز في سوريا اليوم تتجاوز المستوى الفني لتصل إلى أزمة أخلاقية تتعلق بهوية الأبطال الذين يتصدرون المشهد الدرامي.
تتجلى هذه الأزمة في ظهور ممثلين قرروا فجأة اعتلاء موجة الثورة والحرية بعد سقوط النظام الذي طالما مجدوه لسنوات طويلة. هؤلاء الذين سخروا أصواتهم لتلميع صورة الأجهزة الأمنية، يطلون اليوم بوجوه مستعارة لتجسيد أدوار المعتقلين والمظلومين في سجون الطاغية.
إن استخدام دماء السوريين ومعاناتهم في الزنازين كإكسسوار لتحسين الصورة الشخصية أو زيادة الأجور يعد إهانة مباشرة لذكاء الشعب السوري. فالذاكرة الحية للجماهير لم تبرد جراحها بعد، ولا يمكنها تجاوز سنوات من التحريض الذي مارسه هؤلاء الفنانون ضد تطلعات الشعب.
المحاولات اليائسة التي يسوقها هؤلاء الممثلون عبر ادعاء المظلومية أو الإجبار لا تصمد أمام الحقائق التاريخية المسجلة. فلا يمكن لعاقل تصديق أن من كان يتمتع بالامتيازات واللقاءات الودية مع قادة القمع كان مجبراً على السخرية من كرامة المتظاهرين السلميين.
تلك المواقف السابقة لم تكن مجرد نصوص أُمليت عليهم، بل كانت تعبيراً عن إيمان كامل بجدوى الظلم والبطش في ذلك الوقت. وما هذا الانقلاب المفاجئ بمقدار 180 درجة بعد هروب رأس النظام إلى موسكو إلا حالة تتجاوز النفاق السياسي بمراحل.
النفاق قد يظل دفيناً في الصدور، أما هؤلاء فقد جسدوا خيانتهم علانية بالأمس، ويحاولون اليوم سرقة سردية النصر التي صنعها الأحرار بدمائهم. إن هذا السلوك يمثل محاولة للسطو على تضحيات المعتقلين وتحويلها إلى مادة درامية تخدم مصالحهم الشخصية.
ولا يقتصر الوزر الأخلاقي على الممثلين وحدهم، بل يمتد ليشمل شركات الإنتاج التي تمارس انتهازية رأسمالية واضحة في عهد الثورة. هذه الشركات تمنح المتحولين صكوك غفران فنية وتستثمر في أوجاع الضحايا عبر وجوه طالما باركت السجان وجرائمه.
إنّ العدالة التي أرساها السوريون بإسقاطهم للنظام لا تكتمل إلا بمنع المجرم وأبواقه من ارتداء ثياب الضحية.
تقديم ممثل كان أيقونة في معسكر القاتل ليقوم بدور الضحية اليوم هو محاولة لغسل التاريخ بماء عكر وتمرير مصالحة درامية قسرية. هذا التوجه يساهم في تزييف وعي الأجيال القادمة عبر تصدير أدوات النظام البائد كأبطال في سوريا الجديدة المحررة.
ما نراه اليوم يذكرنا بموضة التلون التي مارسها بعض المشايخ والتجار الذين بدلوا جلودهم فور سقوط الصنم في دمشق. هؤلاء الوعاظ الذين أفتوا بطاعة الطاغية يعتلون المنابر اليوم للحديث عن الحرية، بل ويتطاولون على الثوار الحقيقيين بادعاءات باطلة.
هذا التماهي في السلوك بين الممثل الانتهازي والشيخ المتلون يكشف عن وحدة المصدر الأخلاقي لهذه الفئات النفعية. فهم يعتبرون الثبات على المبدأ نوعاً من الحماقة، بينما يرون في القفز إلى ضفة المنتصر ذكاءً وفهلوة تضمن لهم البقاء في المشهد.
أمام هذا العبث بمصير الذاكرة السورية، بات لزاماً تفعيل مبدأ المحاسبة القانونية والأخلاقية في المؤسسات الفنية والنقابية. يجب العمل على سحب عضوية أي ممثل ثبتت مشاركته الفعلية في الماكينة الإعلامية الإجرامية التي بررت القتل والتهجير.
لقد جرت ملاحقة وفصل من يوصفون بشبيحة الفن الذين يحاولون التواري في بعض الدول العربية، وهي خطوة ضرورية لحماية الثورة. إن العدالة التي أرساها السوريون بتضحياتهم لا تكتمل إلا بمنع المجرم وأبواقه من تقمص دور الضحية في الدراما أو الواقع.
الشعوب الحرة لا تنسى من خذلها في ساعة العسرة، والحرية قيمة أسمى من أن ينطق بها لسان طالما لهج بمديح القاتل المهزوم. إن بناء سوريا الجديدة يتطلب تنقية الفضاء الثقافي والفني من الشوائب التي ساهمت في ترسيخ الاستبداد لعقود.
ختاماً، يبقى الرهان على وعي الجمهور السوري وقدرته على تمييز الحق من الباطل في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة. فالدراما يجب أن تكون مرآة للحقيقة لا وسيلة لتبييض صفحة من تلطخت أيديهم بدماء السوريين عبر التحريض والتأييد للظلم.





שתף את דעתך
دراما التحول في سوريا: حين يرتدي أبواق النظام ثياب الضحايا