واشنطن – سعيد عريقات –11/3/2026
تحليل إخباري
تضع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام معضلة إستراتيجية معقدة. فوفق قراءة نقدية لمضمون مقال نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" ، تبدو واشنطن وقد دخلت صراعاً واسعاً في الشرق الأوسط من دون تصور واضح لكيفية إنهائه أو لإدارة تداعياته السياسية والاقتصادية. ويزداد هذا الغموض مع التناقض الواضح في تصريحات ترمب، التي تراوحت بين إعلان اقتراب نهاية الحرب وبين التعهد بمواصلة القتال حتى تحقيق "هزيمة كاملة للعدو".
يشار إلى أنه في تصريح له الاثنين، وصف ترمب الصراع بأنه "انتهى بشكل كامل"، وهي عبارة انعكست سريعاً على الأسواق العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط بعد موجة ارتفاع حادة دفعتها المخاوف من اضطراب الإمدادات. غير أن هذا الانطباع لم يدم طويلاً. فبعد ساعات فقط عاد الرئيس الأميركي إلى خطاب أكثر تشدداً، مؤكداً أن الحرب لن تتوقف قبل تحقيق انتصار حاسم. هذا التذبذب في الرسائل السياسية يعكس، وفق كثير من المراقبين، ارتباكاً في إدارة الحرب أكثر مما يعكس إستراتيجية مدروسة لإنهائها.
غموض الأهداف الاستراتيجية
المشكلة الأساسية في هذه الحرب تكمن في غياب تعريف واضح لأهدافها النهائية. فقد تحدث ترمب في مراحل مختلفة عن تدمير البرنامج النووي الإيراني، وشل قدرات الصواريخ الباليستية، وإحداث تغيير في القيادة السياسية في طهران، بل وحتى فرض "استسلام غير مشروط". هذه الأهداف، وإن بدت متماسكة في ظاهرها، تختلف جذرياً في طبيعتها ومتطلبات تحقيقها، ما يطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت واشنطن قد حددت بالفعل الهدف الذي تسعى إليه.
كما أن الحرب تمثل أكبر انتشار عسكري أميركي في الشرق الأوسط منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ومع ذلك وصفها ترمب بأنها "مهمة قصيرة". هذا التناقض بين حجم العملية العسكرية وطبيعة الخطاب السياسي يعزز الانطباع بأن الإدارة الأميركية ربما قللت من تقدير تعقيدات المواجهة مع إيران.
حسابات الحرب والاستنزاف
ورغم الضربات القاسية التي تعرضت لها إيران، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الأيام الأولى للحرب، فإن مؤشرات الانهيار السريع للنظام لم تتحقق. فقد أظهرت طهران قدرة على إعادة تنظيم قيادتها ومواصلة القتال، كما عينت شخصية جديدة في هرم السلطة، نجل المرشد الأعلى الذي اغتالته الولايات المتحدة، مجتبى خامنئي، في خطوة هدفت إلى إظهار الاستمرارية السياسية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران اختارت إستراتيجية حرب استنزاف طويلة، وهي مقاربة كانت قد أعدت لها منذ سنوات. فرغم تراجع قدرتها على إطلاق الصواريخ مقارنة بالأيام الأولى للحرب، فإنها لا تزال قادرة على تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل ومواقع حلفاء واشنطن في الخليج. وقد أدى ذلك إلى تعطيل حركة التجارة والسفر في المنطقة، وإلى اضطرابات ملحوظة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ارتدادات إقليمية ودولية
تظهر تداعيات الحرب بوضوح في منطقة الخليج، حيث اضطرت بعض الدول إلى تقليص إنتاج النفط والغاز مؤقتاً نتيجة المخاطر الأمنية. وكان قادة هذه الدول قد حذروا مسبقاً من أن أي حرب واسعة مع إيران قد تتحول بسرعة إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه. ومع ذلك، فوجئ ترمب – وفق تصريحاته – بقيام إيران بمهاجمة دول لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب، وهو ما يعكس، مرة أخرى، سوء تقدير لطبيعة الصراع الإقليمي.
في الوقت نفسه، لا تبدو احتمالات التغيير السياسي في إيران قريبة. فالحركات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد في السنوات الماضية اختفت تقريباً مع اندلاع الحرب، إذ أصبح الإيرانيون أكثر انشغالاً بأمنهم الشخصي وسط القصف والعقوبات والاضطرابات الاقتصادية. بل إن الحرب قد تمنح النظام الإيراني فرصة لتعزيز خطاب "المقاومة" وتعبئة الرأي العام حوله.
معضلة النهاية
أمام هذا الواقع، يبدو أن الخيارات المتاحة أمام واشنطن محدودة. فاستمرار الحرب ينذر بتفاقم أزمة الطاقة العالمية ويهدد الاقتصاد الدولي، كما قد يلقي بظلاله على الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. أما إنهاء الحرب بسرعة فقد يمنح طهران فرصة إعلان "الصمود" وادعاء النصر السياسي رغم الخسائر العسكرية.
وفي كلا السيناريوهين، يبقى الشرق الأوسط مرشحاً لمزيد من عدم الاستقرار، سواء نتيجة استمرار المواجهة أو بسبب الفراغ الذي قد ينجم عن إضعاف الدولة الإيرانية دون وجود بديل سياسي واضح.
ويكشف التناقض في تصريحات دونالد ترمب عن نمط مألوف في إدارته للأزمات الدولية، يقوم على استخدام الغموض الاستراتيجي كأداة ضغط. غير أن هذا الأسلوب، الذي قد ينجح أحياناً في المفاوضات التجارية أو السياسية، يصبح أكثر خطورة في سياق الحروب. فالإشارات المتضاربة قد تربك الخصوم، لكنها في الوقت نفسه تربك الحلفاء والأسواق العالمية. وفي حالة الحرب مع إيران، يبدو أن الغموض لم يتحول إلى إستراتيجية مدروسة بقدر ما أصبح انعكاساً لغياب رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه نهاية الصراع.
وتُظهر التجربة التاريخية أن إسقاط القيادة السياسية في الدول ذات الأنظمة المركزية لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الدولة أو استسلامها. فقد حدث العكس في حالات كثيرة، حيث أدى الضغط الخارجي إلى تعزيز تماسك النظام داخلياً. وفي الحالة الإيرانية، فإن اغتيال علي خامنئي لم يؤد إلى انهيار السلطة، بل دفعها إلى إعادة ترتيب هرم القيادة بسرعة. وهذا يعكس قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية، خصوصاً الأمنية والعسكرية، على الحفاظ على الاستمرارية حتى في ظل صدمات سياسية كبيرة.
وتكمن المفارقة الكبرى في هذه الحرب في أن أهدافها المعلنة قد تتناقض مع نتائجها المحتملة. فإضعاف إيران عسكرياً قد يحقق مكاسب تكتيكية لواشنطن وحلفائها، لكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، مثل تفكك الدولة أو تحولها إلى ساحة صراعات داخلية وإقليمية. مثل هذا السيناريو قد يخلق فراغاً استراتيجياً في الخليج، ويهدد أمن الطاقة العالمي. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار في واشنطن لا يتمثل في كسب الحرب، بل في إدارة اليوم التالي لها.





שתף את דעתך
حرب بلا نهاية واضحة: مأزق الرئيس ترمب الاستراتيجي في الحرب على إيران