تشير القراءات العسكرية الحالية إلى أن المواجهة القائمة مع إيران تجاوزت توصيف 'الغارة' لتصبح حرباً شاملة، حيث يستعد القادة في واشنطن وتل أبيب لإعلان نصر قد يكون شكلياً. وبينما يسعى نتنياهو وترامب لترويج فكرة القضاء على التهديد الوجودي، يرى النظام في طهران أن مجرد بقائه واستمرارية مؤسساته تحت قيادة مجتبى خامنئي يعد إنجازاً استراتيجياً كافياً في حرب بقاء شرسة.
تسيطر حالة من الغموض على موعد نهاية هذه الحرب، في ظل غياب أهداف واضحة ومحددة من الجانب الأمريكي. وتؤكد مصادر أمنية أن التنسيق مع واشنطن يعاني من فجوات، حيث ينفذ القادة العسكريون الأوامر دون معرفة الخطوات المستقبلية التي يخطط لها ترامب، مما جعل العملية توصف في أروقة الاستخبارات بأنها حالة من 'التخبيص' العملياتي الذي يفتقر للرؤية السياسية الواضحة.
كشفت الميدان عن إخفاقات في التقييم الاستخباري الإسرائيلي قبل بدء العمليات، حيث لم تندلع الاحتجاجات المتوقعة في شوارع طهران للإطاحة بالنظام. كما تفاجأت الدوائر الأمنية بحجم انخراط حزب الله في المواجهة، وقدرة إيران على استهداف مراكز سكانية مدنية في أكثر من عشر دول، بما في ذلك دول في القارة الأوروبية، وهو ما لم يكن مدرجاً ضمن سيناريوهات التصعيد.
تظل قضية 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% هي المعضلة الأكبر التي تواجه المخططين العسكريين، حيث تكفي هذه الكمية لإنتاج عشر قنابل ذرية. هذه المواد مخبأة في أعماق موقع أصفهان النووي الذي تعرض لضربات سابقة أدت لإغلاق مداخله، لكنها لم تدمر المخزون النووي القابع في الملاجئ الحصينة تحت الأرض.
رصدت أقمار التجسس الأمريكية مؤخراً تحركات إيرانية مكثفة وأعمال حفر واسعة النطاق في موقع أصفهان، مما يشير إلى قدرة طهران على استخراج مخزونها الرئيسي. وتخشى وكالات الاستخبارات من نقل هذه المواد إلى مواقع سرية أخرى بعيداً عن الرقابة، مما يجعل التصريحات السياسية حول تدمير المشروع النووي بالكامل مجرد تضليل للرأي العام.
أفادت مصادر بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان تنفيذ عملية كوماندوز بالغة الخطورة لانتزاع حاويات اليورانيوم ونقلها إلى خارج إيران. ومع ذلك، واجه هذا المقترح معارضة من قيادة المنطقة المركزية الأمريكية التي اعتبرت فرص النجاح ضئيلة جداً، نظراً للحاجة لإنزال قوات في قلب أراضي العدو والبقاء لفترة كافية لمعالجة المواد كيميائياً.
في سياق الأهداف المعلنة، حاولت إدارة ترامب التركيز على تدمير الأسطول البحري الإيراني كإنجاز رئيسي في عملية 'الغضب الملحمي'. وبالرغم من نجاح القوات الأمريكية في شل القدرات البحرية الإيرانية بشكل شبه كامل، إلا أن مراقبين يرون أن هذا الهدف لم يكن أولوية استراتيجية في البداية، وتم تصديره للواجهة فقط لسهولة تحقيقه والتباهي به.
الحرب التي لا أهداف واضحة لها، ويقرر مصيرها رجل واحد بمئات الطائرات والجنرالات، تتحول إلى 'تخبيص' بعد الضربة الأولى مهما بلغت نجاحاتها.
تظهر التصريحات المتضاربة من البيت الأبيض تخبطاً في تحديد الغاية النهائية من الحرب، حيث دعا ترامب تارة لانتفاضة شعبية، وتارة أخرى أبدى عدم اهتمامه بمستقبل النظام طالما استسلم عسكرياً. هذا التباين يعكس غياب استراتيجية 'اليوم التالي'، ويجعل العمليات العسكرية رهينة لقرارات لحظية تتغير بتغير المعطيات الميدانية أو الرغبة في الترويج الإعلامي.
يؤكد خبراء أمنيون أن المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية باتت مغيبة تماماً عن قرار إنهاء الحرب أو صياغة شروط أي اتفاق مستقبلي. لقد أصبحت إسرائيل في حالة تبعية كاملة للقرار الأمريكي منذ دخول ترامب للبيت الأبيض، وهو ما قد يتحول إلى عبء استراتيجي إذا لم تتحقق الأهداف الجوهرية المتمثلة في إزالة التهديد النووي أو تغيير النظام.
على الصعيد الداخلي الإيراني، أثبت النظام قدرة غير متوقعة على التماسك وإدارة ملف انتقال السلطة بسلاسة من علي خامنئي إلى ابنه مجتبى. هذا الاستقرار المؤسسي أحبط الرهانات الأمريكية والإسرائيلية على حدوث انهيار داخلي سريع تحت ضغط الضربات الجوية، مما يعقد حسابات النصر التي يسوق لها نتنياهو أمام الجمهور الإسرائيلي.
تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن إيران استطاعت نقل تكنولوجيا الصواريخ والمسيرات إلى وكلائها الخمسة في المنطقة رغم الحصار الجوي والبحري المشدد. هذا الانتشار يجعل من تدمير 'قدرة الوصول' للوكلاء هدفاً صعب المنال، ويتطلب حرباً استنزافية طويلة الأمد لا يبدو أن الجانب الأمريكي مستعد لخوض غمارها بشكل كامل في الوقت الراهن.
بالرغم من القوة التدميرية الهائلة التي استخدمت في عملية 'الأسد الصاعد'، إلا أن 'رأس' المشروع النووي لم يصب بأذى حقيقي وفقاً لتقارير الموساد. التضليل الذي مارسته القيادة السياسية في تل وبيب حول زوال التهديد النووي لأجيال قادمة يصطدم بواقع وجود اليورانيوم المخصب تحت الأرض، وهو ما يمثل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
تتزايد الانتقادات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول الثمن الباهظ الذي تدفعه الدولة في هذه المواجهة دون ضمانات حقيقية للأمن طويل الأمد. فبينما يرتفع منسوب الدماء والمخاطر، تظل الأسئلة الجوهرية حول 'إحباط' التهديد الوجودي دون إجابات شافية، وسط اتهامات للمسؤولين بتشويه الحقائق وإخفاء حجم الضرر الفعلي الذي لحق بالقدرات الدفاعية.
في نهاية المطاف، تبدو الحرب مع إيران وكأنها صراع على 'الصورة الذهنية' للنصر أكثر من كونها حسماً عسكرياً نهائياً. ومع اقتراب المواعيد النهائية التي وضعها ترامب، يظل التحدي قائماً في كيفية الخروج من هذه المواجهة دون ترك إيران على عتبة نووية، وهو الأمر الذي فشلت العمليات العسكرية الحالية في تحقيقه بشكل قاطع حتى الآن.





שתף את דעתך
مفاجآت طهران الأربع: كيف تعثرت حسابات ترامب ونتنياهو في 'حرب البقاء'؟