تصاعدت وتيرة الحديث عن احتمالات لجوء الولايات المتحدة لنشر قوات برية داخل الأراضي الإيرانية منذ بدء العدوان المشترك مع إسرائيل في 28 فبراير الماضي. ويهدف هذا التوجه، بحسب دوائر سياسية، إلى محاولة إسقاط النظام الإيراني، إلا أن هذا السيناريو يصطدم بعقبات ميدانية ولوجستية تجعل من تنفيذه مغامرة غير محسومة النتائج.
كشفت تقارير استخباراتية أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بدأت بالفعل في تسليح قوى كردية معارضة بهدف إثارة اضطرابات داخلية في العمق الإيراني. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع اتصالات أجرتها إدارة الرئيس دونالد ترامب مع قيادات كردية في إيران والعراق لاستكشاف فرص دعم تحركات ميدانية ضد طهران.
أفادت مصادر بأن ترامب عرض تقديم غطاء جوي واسع النطاق ودعم عسكري للجماعات الكردية للسيطرة على مناطق في غرب إيران. ومع ذلك، بدا أن هناك تراجعاً نسبياً في هذا الاندفاع بعد إدراك التداعيات الخطيرة لإشراك الأطراف العرقية بشكل مباشر في حرب قد تتحول إلى صراع إقليمي طويل الأمد.
شكل وصول جثامين ستة جنود أمريكيين إلى قاعدة دوفر الجوية في 8 مارس الجاري صدمة للشارع الأمريكي، حيث قُتلوا خلال العمليات الجارية ضد إيران. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان ذكريات حربي العراق وأفغانستان، مما زاد من الضغوط الشعبية الرافضة لأي تورط بري واسع قد يكبد الجيش خسائر بشرية فادحة.
يرى محللون أن دخول الأكراد في القتال قد يحول الصراع إلى حرب استنزاف يصعب احتواؤها أو التنبؤ بنهايتها. ويشير الخبراء إلى أن الاعتماد على قوى محلية قد يشعل فوضى ممتدة في المنطقة دون تحقيق حسم عسكري واضح، وهو ما يثير مخاوف القوى الإقليمية المجاورة لإيران.
من الناحية الجغرافية، يمثل شمال غرب إيران مسرحاً عملياتياً بالغ التعقيد بسبب وجود جبال زاغروس التي تشكل حصناً طبيعياً منيعاً. وأي توغل بري من جهة إقليم كردستان سيواجه تضاريس وعرة تمنح القوات الإيرانية أفضلية التمركز في المرتفعات ونصب الكمائن للقوات المهاجمة.
تؤكد الدراسات العسكرية أن المساحة الشاسعة لإيران، والتي تتجاوز 1.7 مليون كيلومتر مربع، تجعل من الصعب تحقيق حسم عبر اختراقات ساحلية أو حدودية محدودة. كما أن الكثافة السكانية العالية التي تتخطى 91 مليون نسمة تعني أن أي غزو بري سيواجه مقاومة شعبية وعسكرية منظمة في بيئة حضرية معقدة.
دخول القوات الأمريكية في مواجهة برية فوق تضاريس إيران المعقدة سيحول البلاد إلى مقبرة للجنود.
استبعد خبراء في العلاقات الدولية وقوع غزو بري شامل في المدى المنظور، نظراً للحاجة إلى حشد لوجستي هائل وتحالف دولي واسع غير متوفر حالياً. وأوضحوا أن دول الجوار لا ترغب في الانخراط في صراع ستكون هي المتضرر الأول من تداعياته الاقتصادية والأمنية والبيئية.
تبرز خيارات بديلة للغزو الشامل، من بينها تنفيذ عمليات نوعية بواسطة القوات الخاصة لتأمين المنشآت الحساسة، وخاصة المواقع النووية. وقد ناقشت واشنطن وتل أبيب إمكانية إرسال وحدات نخبوية للسيطرة على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب في مراحل متقدمة من المواجهة.
أشار الرئيس ترامب في تصريحات أخيرة إلى أن الوصول إلى اليورانيوم الإيراني يظل هدفاً قائماً، لكنه لم يحدد توقيتاً لبدء مثل هذه العمليات. ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن قدرة المفتشين الدوليين على تتبع المواقع النووية الإيرانية في ظل استمرار القصف الجوي والتوتر العسكري.
داخلياً، يواجه ترامب معارضة شعبية قوية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 60% من الأمريكيين يرفضون الحرب على إيران. وتخشى الإدارة الأمريكية من أن يؤدي تزايد عدد القتلى في صفوف الجنود إلى تآكل القاعدة الشعبية للرئيس، خاصة مع استحضار تكلفة حرب العراق التي بلغت تريليونات الدولارات.
حذرت طهران على لسان وزير خارجيتها من أي تحركات لمجموعات وصفتها بـ"الإرهابية" على الحدود العراقية الإيرانية. وتراقب القوات الإيرانية عن كثب أي محاولات تسلل، مؤكدة جاهزيتها للرد على أي خرق بري يستهدف سيادتها الوطنية من أي جبهة كانت.
تظل الجبهة الجنوبية عبر الخليج هي الأكثر سهولة من الناحية النظرية للإنزال العسكري، لكنها الأكثر خطورة بسبب الوجود الإيراني الكثيف قرب مضيق هرمز. وأي محاولة للتقدم من هذا المحور قد تؤدي إلى إغلاق الممرات الملاحية الدولية وانهيار أسواق الطاقة العالمية بشكل فوري.
في الختام، يبدو أن العملية البرية تظل ورقة ضغط سياسية أكثر منها خطة عسكرية وشيكة التنفيذ، رغم عدم استبعاد المفاجآت من جانب ترامب. إن التوازن بين الطموح السياسي والواقع الميداني سيحدد ما إذا كانت واشنطن ستكتفي بالضربات الجوية أم ستغامر بدخول "المقبرة الإيرانية".





שתף את דעתך
الاجتياح البري لإيران: بين طموحات ترامب السياسية وعقبات الجغرافيا العسكرية