أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن المواجهة العسكرية مع إيران حالة من الإرباك والجدل السياسي، نتيجة التناقض الواضح في خطابه خلال مدة زمنية وجيزة. فقد تراوحت مواقفه بين التأكيد على قرب انتهاء العمليات العسكرية ووصفها بالرحلة قصيرة الأمد، وبين الإشارة إلى أن الانتصار النهائي لم يتحقق بعد بالشكل المطلوب.
وفي مقابلة هاتفية أجرتها معه مصادر إعلامية، أعرب ترمب عن اعتقاده بأن الحرب قد انتهت تقريباً، مشيراً إلى أن القوات الأمريكية قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذ الجدول الزمني الذي وضعه مسبقاً. وبحسب تقديراته، فإن العمليات التي كان من المفترض أن تستغرق ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع قد بلغت مراحلها الختامية.
على النقيض من تفاؤل الرئيس، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية عبر منصاتها الرسمية رسائل مقتضبة تشير إلى أن القتال قد بدأ للتو، مما يعكس فجوة في الرواية الرسمية بين البيت الأبيض والبنتاغون. هذا التباين عززه تصريح وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في مقابلة مسجلة أن العمليات العسكرية الحالية ضد طهران ليست سوى البداية.
وخلال خطاب ألقاه أمام أعضاء الحزب الجمهوري في ولاية فلوريدا، حاول ترمب الموازنة بين الإنجازات المحققة والحاجة للاستمرار، مؤكداً أن الولايات المتحدة حققت انتصارات عدة لكنها لا تكفي لضمان الأمن الدائم. وشدد على ضرورة المضي قدماً بعزيمة أكبر لتحقيق ما وصفه بـ 'الهزيمة الساحقة' للعدو لضمان عدم عودة التهديدات مستقبلاً.
ولم يقتصر التناقض على المدى الزمني للحرب، بل شمل تقييم القدرات العسكرية الإيرانية، حيث زعم ترمب في البداية أن طهران فقدت كامل قوتها الجوية والبحرية وشبكات اتصالاتها. وادعى الرئيس الأمريكي أن إيران أطلقت كل ما في ترسانتها ولم يعد لديها ما تقدمه عسكرياً في مواجهة الآلة الحربية الأمريكية.
لكن في مؤتمر صحفي لاحق، تراجع ترمب جزئياً عن هذه التقديرات المطلقة، موضحاً أن القدرات الإيرانية لم تختفِ تماماً بل تضاءلت بشكل كبير جداً. وبدا هذا التراجع واضحاً عند حديثه عن الأسطول البحري، حيث عدل تصريحه من 'انعدام الأسطول' إلى 'غرق معظمه'، مع تغيير مستمر في أعداد السفن المستهدفة.
وتشير تقارير إلى أن ترمب قدم أرقاماً متغيرة حول خسائر البحرية الإيرانية، حيث رفع العدد من 46 إلى 51 سفينة خلال وقت قصير، وفق ما نقلته مصادر صحفية تابعت المؤتمر. هذا التضارب الرقمي أثار تساؤلات حول دقة المعلومات الاستخباراتية التي يستند إليها الرئيس في تصريحاته العلنية.
سنمضي قدمًا بعزيمة أكبر من أي وقت مضى لتحقيق نصر نهائي يُنهي هذا الخطر إلى الأبد.
وفيما يخص الترسانة الصاروخية، قدر ترمب أن القدرة الهجومية الإيرانية انخفضت إلى نحو 10% فقط من قوتها الأصلية، معتبراً أن معظم الصواريخ قد استُنفدت أو دُمّرت في المخازن. كما أشار إلى تراجع قدرات الطائرات المسيّرة بنسبة 75%، متوقعاً تلاشي هذا التهديد بشكل كامل في القريب العاجل.
الملف السياسي والقيادي في إيران نال نصيبه من التناقض أيضاً، حيث صرح ترمب أولاً بزوال القيادة الإيرانية بالكامل وعدم وجود من يدير الدفة هناك. إلا أنه عاد ليوضح أن القضاء تم على مستويين فقط من القيادة، مشيراً إلى أن الشخصيات الحالية غير معروفة على النطاق الدولي.
وفي سياق متصل، أبدى الرئيس الأمريكي قلقه وخيبة أمله من اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للجمهورية الإسلامية، معتبراً أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تفاقم الأزمات التي تواجهها البلاد. ويعكس هذا التصريح اعترافاً ضمنياً بوجود هيكلية قيادية قائمة، خلافاً لادعاءاته السابقة بانهيار النظام بالكامل.
أما القضية الأكثر إثارة للجدل، فكانت اتهامه المباشر لإيران بالمسؤولية عن قصف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب، وهو الهجوم الذي أودى بحياة أكثر من 150 شخصاً. ترمب أكد في البداية وبشكل حازم أن طهران هي من نفذت الاعتداء بناءً على تقارير أولية اطلع عليها أثناء تواجده في طائرة الرئاسة.
ولكن مع حلول يوم الإثنين، بدا الرئيس أقل ثقة في اتهاماته، حيث صرح أمام الصحفيين بأن التحقيقات لا تزال جارية وأنه سينتظر التقرير النهائي لقبول النتائج. هذا التراجع يشير إلى ضغوط أو معطيات جديدة قد تكون شككت في الرواية الأولى التي تبناها البيت الأبيض حول الحادثة الأليمة.
ومن المثير للاستغراب تلميح ترمب إلى احتمال استخدام إيران لصاروخ من طراز 'توماهوك' في الهجوم المذكور، وهو نوع من الصواريخ الجوالة التي تشتهر الولايات المتحدة بتصنيعها ولا تملكها إيران. هذا الخطأ الفني زاد من حدة الانتقادات الموجهة لتصريحاته، واعتبره مراقبون دليلاً على عدم دقة المعلومات المتداولة في المؤتمرات الصحفية.
ختاماً، تبقى الرؤية الأمريكية تجاه الصراع مع إيران متأرجحة بين الرغبة في إعلان نصر سريع وبين الواقع الميداني الذي تشير إليه وزارة الدفاع. وبينما ينتظر العالم وضوحاً أكثر في الاستراتيجية الأمريكية، تظل تصريحات ترمب مادة دسمة للتحليل حول مستقبل المنطقة في ظل هذه المواجهة المفتوحة.





שתף את דעתך
تناقضات ترمب تثير الجدل: هل اقتربت نهاية المواجهة العسكرية مع إيران؟