ב 09 מרץ 2026 9:48 am - שעון ירושלים

وليد الخالدي.. وداعًا! تركت لنا كي لا ننسى، وتركت فينا ما لا يُنسى


عزيز العصا
كاتب وباحث مهتم بالشأن المقدسي

غادرنا بالأمس إلى الدار المستقر "د. وليد الخالدي"، رجل التأريخ المقدسي المتميز، عن عمر مائة عام ونيّف. والفقيد سليل عائلة يشهد لها التاريخ والمؤرخون، بأنها "منبع" قادة الفكر، في كل العصور، وقد عرفناهم من خلال دراسات تاريخ القدس، في القضاء، وفي الإفتاء، وفي السياسة، وفي التعليم، وفي مختلف ميادين الفكر.
وعندما بحثتُ عن مصدر يتحدث عن تاريخ هذه العائلة المقدسية العريق، وجدتُ ضالّتي فيما يقوله المرحوم "د. وليد الخالدي": "المتواتر بين أفراد العائلة –الخالدي- عن الأسلاف أن آل الخالدي إنما هجروا القدس قبيل سقوطها في أيدي الإفرنج، ولجأوا إلى "دير عثمان" بالقرب من قرية مردة من أعمال نابلس، ليعودوا إليها بعيْد الفتح الصلاحي بنسبة الدّيريّ"، ويستند في ذلك إلى ما أورده الشيخ "محمد صنع الله الصغير" (توفي 1205ه/1790م) من نسبة العائلة إلى خالد بن الوليد، معزّزًا وجهة نظره بسلسلة تتألف من (27) جيلًا؛ تبدأ منه وتنتهي بـ "خالد بن الوليد".
وهناك مكتبة "الخالدية" التي تأسست عام 1900، وتربض في باب السلسلة- أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك- خير شاهد على تراكم الإنتاج المعرفي والفكري الذي تركته الأجيال المتتابعة من عائلة الخالدي.  
أما دور المرحوم في هذا الخضم الفكري والتراثي لعائلة الخالدي، فتميّز بما أنجزه عبر سنوات عمره المائة التي أمضاها باحثًا ومؤرخًا لبلده فلسطين، ولمدينته القدس، فترك للأجيال ذخيرة طيبة من نحو أربعين مؤلفًا مناصفة باللغتين العربية والإنجليزية. وتتمحور هذه المؤلفات حول القضية الفلسطينية، بأبعادها المختلفة، كالنكبة بمختلف تفاصيلها ومفرداتها المؤلمة من مجازر وغيرها من أوجه النكبة، والصراع مع الصهيونية، وغير ذلك من المواضيع ذات الصلة. وإنني أرى في كتابيه "قبل الشتات" و"كي لا ننسى" ما لا يجب أن يُنسى من خلال التأريخ المصور للشعب الفلسطيني بين 1876 و1948، ومن شهادات، ووثائق، وحقائق تتعلق بمجريات النكبة، تحيي فينا تلك القرى والمدن والنواحي التي قامت "إسرائيل" على خرابها ودمارها وأنقاضها. وعندما كتب عن السلام، ارتأى في "القدس مفتاح السلام"، وقد أرّخ لها "من العهدة العمرية إلى كامب ديفيد الثانية".
ولا يمكن لباحث في أي شأن من شؤون القضية الفلسطينية، إلا ويتوقف مطولًا عند رفوف المكتبة التي تضم ملفات وليد الخالدي، الذي أمضى حياته منافحًا عن قضيته الأولى، وقضى وهو يحذر الأجيال مما يحاك في ليل مظلم، من خلال مؤلفه الأخير "الإبراهيمية: بدعة وخدعة وزيف".
هناك كثير من الكتابات التي تناولت المرحوم "وليد الخالدي" بالقراءة والتحليل، إلا أنني، في هذه العجالة، أقتبس من مساهمة المرحومة "بيان نويهض الحوت" عام 2013 بعنوان "وليد الخالدي المؤرخ والإنسان"، في الملف الذي نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في يوبيلها الذهبي، وهو رئيسها الفخري، وكان له الدور الرئيس في تأسيسها وتعزيز مسيرتها:
تناولت المرحومة الباحثة "الحوت" سبعة بنود من "نتاج القلم الخالدي"، وهي: 1) نهج المؤرخ الخالدي –جمعت وليد الخالدي مع "هيرودوتُس"؛ مؤرخ اليونان الأول، الذي كان أول من أطلق اسم فلسطين على الساحل قبل (25) قرنًا. 2) شعب فلسطين (من خلال كتابه قبل الشتات). 3) أرض فلسطين (من خلال اكتشافه الخطة دالت الصهيونية، إبّان النكبة، التي هي اصل مشكلة اللاجئين، ثم جاء كتابه الشهير "كي لا ننسى"). 4) في كشف الافتراءات الصهيونية (من خلال مقالين نشرهما في عام 1958: لماذا غادر الفلسطينيون، و"سقوط حيفا"). 5) نكبة فلسطين (من خلال مقال بعنوان "سقوط فلسطين" نشره سنة 1957، وبعد (50) عامًا –في 1997- نشر كتاب "خمسون عامًا على تقسيم فلسطين"، وفي 1998 نشر كتاب "خمسون عاما على حرب 1948: أولى الحروب الصهيونية العربية). 6) النهج التوثيقي. 7) المؤرخ الانسان.
ثم تكثّف "الحوت" تعريف "وليد الخالدي" ودوره وأثره، بالقول: هو من أرسى النهج العلمي التاريخي، ولقّبته "معلم الأجيال"، وهو "مسكون بحب فلسطين وشعب فلسطين؛ مؤرخ فلسطين شعبًا وقضية"، وهو "الراعي الأمين لتاريخ النضال العربي الفلسطيني المعاصر".
ختامًا، ونحن نودع المرحوم المؤرخ "وليد الخالدي"، فإنه وداع للجسد، أما "وليد الخالدي" المؤرخ والباحث والمفكر والوطنيّ المخلص، فسيبقى فينا، يسكننا، ويبث فينا روح المنافحة عن قضيتنا وعن مستقبل أجيالنا، كما يوقظ فينا -على الدوام- أننا أصحاب حقّ لا يسقط بالتقادم، ولن تمحوه القوة المفرطة مهما اشتد أوار نيرانها الملتهبة منذ مائة عام ونيّف...  


תגים

שתף את דעתך

وليد الخالدي.. وداعًا! تركت لنا كي لا ننسى، وتركت فينا ما لا يُنسى

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.